التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

Cast-Away-DI

عندما يريد “روبرت زيمكيس” شخص تقع طائرته ويعيش في جزيرة وحيداً لسنوات فأنه يطلب “توم هانكس”، عندما يريد “سيبلبرغ” شخصاً جيداً في وضع سيئ ليصنع اهتماماً مثيراً فأنه يطلب كذلك “هانكس”، وعندما يريد “سام مينديس” قاتل لامبالي بارد القلب يحب ابنه فأنه يطلب “هانكس” أيضاً

“شوك نولاند” (توم هانكس) مدير مرموق يعمل بشركة “فيديكس” هوت به الطائرة في لجة المحيط، لكنه نجا بأعجوبة، ليجد نفسه وحيداً في جزيرة صغيرة مقفرة، وكان عليه أن يتدبر أمر طعامه وشرابه وسلامته من أي مجهول يتربص به، وينجح في ذلك كله بعد طول معاناة، وظل ويراوده الأمل في أن سفينة أو طائرة لا بد من أن تأتي لإنقاذه ولكن عبثاً، وتمر عليه أربع سنوات في عزلة تامة بلا صديق.

تجلت قدرات “توم هانكس” في هذا الفيلم من خلال إبداعه وهو يحدث نفسه تارة و تارة أخرى يحدث ما تبقى من كرة طائرة نجت معه من سقوط الطائرة، منح (شوك نولاند) تلك الكرة اسماً وهو “ويلسون” وهو نفس اسم الشركة المنتجة لكرات الطائرة، استطاع “نولاند” أن يسرق أنفاس المشاهدين في الفيلم من خلال الحوار مع “ويلسون” الكرة التي منحته حافز للحياة، فقام بصنع ما يشبه القارب ليبحر خارج تلك الجزيرة في رحلة البحث عن النجاة، أشرف على الغرق مراراً، حتى انتشلته سفينة في عرض المحيط.

وليس الفيلم ، كما يبدو لأول وهلة، فيلم مغامرات يشبه قصة روبنسون كروزو مثلاً، إنه رحلة في أعماق النفس البشرية،عندما تفيء إلى فطرتها تحت وطأة اضطرار ، ثم تعود إلى عالم الناس، فإذا هي في غربة رهيبة تتقلب بين دهشة وألم!

لقد استيقظت في نفس الرجل خلال مأساته كل مشاعره الإنسانية الدفينة، وأقبل على الحياة بكل اللهفة والأمل، فإذا لكل لحظة تأتيه ثقلها ومعناها وألقها وغايتها، ويعود إلى مدينته إنسانا آخر، ليفاجأ بأن الحياة لم تزل هناك في مواتها المألوف، ويجد أن خطيبته الوفية تزوجت ولم تحفظ له عهداً بل لم تسع إلى لقائه بعد عودته، ويرى زملائه القدامى – بعينيه الجديدتين – فإذا هم قطع صدئة في آلة ضخمة تدور بلا هدف، وينظر إلى المتع المادية المتراكمة حوله في كل مكان، وقد فقدت طعمها في مستنقع البطر والرتابة والأنانية والجحود، وتذكر كيف أشعل ناراً في جزيرته النائية، بعد تجارب استغرقت منه أسابيع، وكم كان فرحه عارماً بهذه النعمة الجزيلة التي مكنته من أن يطبخ طعامه، ويتقي خطر الوحوش التي ربما كانت تحيط به، ويتذكر تلك الدمية التي صنعها وسماها “ويلسون” الذي صادقها وحاورها طيلة السنوات التي قضاها وحيداً في تلك الجزيرة، وها هو ذا الآن يرى الناس الذين معه يتبادلون صخب الألفاظ، وقلوبهم جرداء دونما قطرة من الحياة، فأنى يكون بينه وبينهم لقاء؟

الأداء الرفيع هذا الذي جسده لنا “توم هانكس” يستحق منا التقدير والثناء في واحد من أفضل أدواره السينمائية على الإطلاق، هانكس مبدع، هادئ، قلما تجد له دور سيئ، هو محبوب لدى الجميع، يعتبر علامة فارقة في تاريخ ممثلي هوليود.