مراجعات وتوصيات الافلام والمسلسلات والسينما Movies, Reviews, Trailers, series, sitcom, TV Shows, Movie Tickets, Saudi Cinema، Saudi Box Office ما يعرض حاليا بدور السينما وشراء التذاكر.

Dr. Strangelove كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة

1 57

Dr.-Strangelove-or-How-I-Learned-to-Stop-Worrying-and-Love-the-Bomb-Wallpaper-1

من أين أبدأ؟ إنه لمن المحير جداً وأنت أمام عمل ضخم كهذا مهتم بأدق التفاصيل أن تحاول البدء من نقطة معينة تسترسل بعدها لبقية الفيلم، حيث أن كل لقطة فيه هي حدث قائم بذاته، وكل مشهد لا يحتاج إلى ما قبله أو بعده ليجعلك تدرك حجم اﻷلم الوجودي المغلف بسحابة من السخرية السوداء القاتمة.
دعوني بداية أتناول اسم الفيلم الأغرب في السينما “الدكتور سترينجلوف، أو: كيف تعلمت أن أتوقف عن القلق وأحب القنبلة”!.. اسم يدعو إلى الفضول والتساؤل خصوصاً إذا علمنا أن كلمة “سترينجلوف” هي ذات شقين “سترينج” و “لوف” بمعنى “الحب الغريب”! .. إن من يشاهد الفيلم حتى النهاية ثم يقرأ الاسم مرة أخرى لا يلبث إلا أن يقهقه ضاحكاً من عبثية كيوبريك ولقطات الفيلم تتوالى في خلفية دماغه، إنه فعلاً الحب الغريب من نازي راديكالي مجنون لبلد ديموقراطي رأسمالي وجد فيه فرصته الذهبية لصنع أكبر سلاح مدمر للبشرية، أفلا يعشق وطناً قدم له حلم حياته! هذا الحب الغريب الذي جعله يتوقف عن قلقه العلمي (أو ما يسمى بضمير العالِم) ويحب لعبته الجديدة بكل شغف “القنبلة”

شخصيات الفيلم لا يمكن أن تكتب بأكثر من هذا دهاءً وامتيازاً.. “جاك ريبر” عند سماعك لهذا الاسم يدق جرساً في ذاكرتك فتتساءل أين سمعت هذا الاسم من قبل؟ ثم تقفز..آه  نعم إنه “جاك السفاح” قاتل نساء لندن الشهير! يا لخبثك يا كيوبريك، الرائد “كينج كونج” اسم آخر مثير للسخرية وشخصية هوجاء مبرمجة على تنفيذ اﻷوامر بحس وطني ساذج، ثم العبقري “بيتر سيلرز” والذي قام بدور الشخصيات الثلاث “دكتور سترينجلوف” و الرائد البريطاني “ماندريك”  والرئيس اﻷمريكي! ولا يمكنك بالطبع إغفال شخصيتي الصراع الهزلي الأبدي في الحرب الباردة .. السفير الروسي “أليكسي” و الجنرال اﻷحمق “باك”.

general

بمقدمة تقطر سخرية يُفتتح الفيلم : “إن قوات الجو اﻷمريكية لتؤكد أن إجراءات الحماية لديها تمنع وقوع مثل هذه اﻷحداث المذكورة في الفيلم! كما نؤكد أن الشخصيات الموجودة في الفيلم لا تمثل أي شخص بعينه حياً أو ميتاً” .. حقاً؟!
إنها إحدى أطرف العبارات الكوميدية التي كتبت للسينما يوماً، إن الهدف من الفيلم بأكمله هو أن هذه اﻷحداث ممكنة الحدوث فعلاً وبشكل فجائي ودون سابق إنذار، كما أن جميع الشخصيات والسيناريوهات بل وحتى أصغر عبارة أو جملة في الفيلم لهي إشارة إلى مؤسسة ما أو أشخاص بعينهم! المفارقة كل المفارقة تتجسد في هذه الجملة التي تجعلك تضحك عند المشاهدة الثانية ضحكاً لا تنساه طيلة حياتك.

مشهدٌ أقل ما يوصف بالممتاز .. دخول للكاميرا من أعلى السحب البيضاء الكثيفة تخترقها جبال سوداء مهيبة تشعرك بوحدة المكان وانعزاله عن العالم، ثم صوت المعلق: “تنتشر إشاعة هذه اﻷيام عن سلاح جديد متطور للروسيين تم بناؤه في مكان بعيد معزول تماماً لا أحد يمكنه التكهن بموقعه” .. ثم دقيقتان من الجمال السينماتوغرافي لمشهد تزويد الطائرة بالوقود في الجو والذي كان يعتبر ثورة تقنية في ذلك العصر (الفيلم تم إنتاجه عام 64) مصحوباً بموسيقى أخاذة تسرح بخيالك بعيداً.. وتصحو من شرودك على أزيز الطائرات في قاعدة جوية أمريكية… إنها إحدى خصائص كيوبريك المشهود له بها، حيث الدقة في التصوير والاهتمام بأدنى التفاصيل الصغيرة ومن ثم التنبؤ بالمستقبل وتخيل ما يمكن أن يكون عليه يمنحك شعوراً بحاليّة الفيلم وكأنه في عصرنا هذا!
“جاك ريبر” العميد الأهوج المعتوه المليء يالاعتداد بالنفس والثرثرة الوطنية يمثل -في رأيي الشخصي- الغالبية العظمى للشعب اﻷمريكي المفتون بقوته وسداد رأيه وتفوقه على العالم أجمع، يبدأ بنشر الكود “اﻷحمر” في قاعدته الجوية مثيراً القلق وعدم التصديق في نفس الوقت لدى الرائد البريطاني “ماندريك” الذي لا يكاد يستوعب ما يأمره به، لقد أعلن العميد الحرب من تلقاء نفسه، هكذا فجأة دون مقدمات، وأعطى اﻷوامر للطائرات بقصف نووي على مواقع عسكرية روسية! ولا يمكنك إلا أن تضحك بهيستيريا مرة أخرى عند سماعك إياه مخاطباً الرائد “ماندريك” مبرراً لأوامره تلك: “لن أسمح للخطط الشيوعية ولا المؤامرات الشيوعية أن تعكّر نقاوة سوائل أجسادنا الغالية”!! وياله من تبرير عجيب لا تفهم منه سوى العجرفة المغموسة بجهل واعتداد منتنين.

أما عن الجنرال “باك” فحدث ولا حرج.. إنها الشخصية التي وضع فيها كيوبريك كل طاقته الكوميدية بدءاً بعلكته السخيفة وانتهاءً بطفوليته الساذجة وهو يتشابك باﻷيدي مع السفير الروسي الذي لا يقل عنه حمقاً، إنها طريقة كيوبريك في إقناعنا بأننا نعيش في عالم محكوم من قبل حمقى ومغفلين يتصرفون في أمور الناس بلا وعي ولا إدراك سوى للعواطف الرعناء والكلمات الوطنية الرنانة والحديث عن التفوق العرقي والأيديولوجي، من مميزات الجنرال “باك” أيضاً أنه لا يجزم بشيء حتى وإن كان حقيقة واقعة  حيث يشير إلى التقارير التي أمامه بكلمات متشككة مثل “يظهر ان” و”يبدو وكأنه” و “لا نعرف ماهي دوافع العميد” محاولاً البعد عن تجريم فعل العميد الجنوني، فقط لأنه زميل عسكري متناسياً الموقف الحرج الذي تمر به اﻷمة في ظرف نووي قد يبيد اﻷخضر واليابس.

dr-strangelove-or-how-i-learned-to-stop-worrying-and-love-the-bomb_1964-1-1600x1059_scroller

في غمرة اﻷحداث وبعد تبليغ اﻷوامر للسرب الذي يحلق فوق اﻷجواء الروسية بقذف ثلاث مواقع عسكرية بقنابل نووية تأخذنا الكاميرا إلى داخل قمرة القيادة في الطائرة.. الكوميديا بلا حدود، كتيب اﻹرشادات السخيف وكأنك تقرأ طريقة استخدام غسالة أوتوماتيكية أو فرن كهربائي اشتريته للتو! الكابتن وهو يفتح خزانة حديدية بقفل رمزي يراقب باقي الطاقم كي لا يروا اﻷرقام التي يدخلها! ثم نزعه لخوذة الطيران واستبدالها بقبعة الكاوبوي العجيبة استحضاراً لروح المغامر اﻷمريكي الفاتح للغرب! وفي وسط كل هذا تتجلى العبقرية اﻹخراجية والجهد المبذول في البحث والاستقصاء عن طرق عمل التقنيات العسكرية أثناء الهجوم الجوي من فحص المعدات والتأكد من سلامة عمل جميع اﻷجهزة و”الكلوس أب” بكل ثقة على اﻷزرار ولوحات المفاتيح لنعرف جميعاً كم هو دقيق هذا المخرج الكبير.

داخل القاعة الدائرية في البنتاجون .. يجتمع الرئيس اﻷمريكي وأركان حربه لحل هذه المشكلة قبل فوات اﻷوان، جنرال “باك” كعادته يحاول بكل حمق إقناع الرئيس بخطة مبنية على “دراسة غير رسمية” كما يقول بأن يستمر الهجوم على روسيا بل ومضاعفته بضرب جميع مواقعهم النووية وتدمير 90% من قوتهم وفي أسوء اﻷحوال فلن يموت سوى 20 مليون مدني أمريكي جراء قصف روسيا لأمريكا! يشرح هذه الخطة بكل بساطة وهو يلوك علكته ويخير الرئيس في ما إذا كان يفضل موت 20 مليوناً فقط أم مئات الملايين! .. هنا عبقرية النص .. ماذا تفعل لو حدث شيء كهذا بغض النظر عن التأكيد اﻷبله الذي تصر عليه القوات الجوية في بداية الفيلم أن لا شيء كهذا ممكن الحدوث؟ .. يصر الرئيس الذي بدا مغلوباً على أمره لا شيء بيده سوى عقد الصفقات وتسوية الخلافات على أن هناك ولابد حلول أخرى مفتوحة، حقاً سيدي الرئيس؟ وماهي الحلول بنظرك؟ .. تتدخل عبقرية النص مرة أخرى وفي أشهر جملة لرئيس أمريكي على الشاشة الكبيرة: “لن أدخل التاريخ كأعظم قاتل جماعي منذ أدولف هتلر” .. يا للعبقرية! أعرفتم اﻵن ماهو دور السياسيين؟ إنهم ليسوا في كراسيهم لخدمتكم كما توهمتم أيها الناخبون، إن جُل ما يشغل بالهم مكاسبهم الشخصية وأمجادهم التاريخية، ولتحل اللعنة عليكم بعد ذلك، لا يتوقف اﻷمر عند هذا بل تمتد السخرية ليأتي الرد من الجنرال اﻷحمق: “سيدي الرئيس لربما كان من اﻷفضل أن تهتم بالشعب اﻷمريكي بدلاً من اهتمامك بصورتك الشخصية على صفحات كتب التاريخ”! انظروا من يعطي الرئيس دروساً أخلاقية! إنه الجنرال الذي كان قبل قليل  يقترح خطة يموت فيها 20 مليوناً على أقصى تقدير!.. وبعد نفاد الحلول يأمر الرئيس بدخول السفير الروسي لقاعة الحرب فيجن جنون الجنرال “باك” ويقول منفعلاً في أحد أعظم المشاهد الكوميدية في التاريخ: “سيدي الرئيس أتدرك حجم الاختراق اﻷمني لفعلك هذا؟ سوف يرى كل شيء .. سوف يرى اللوحة الكبيرة” .. لم يسعني هنا سوى أن أوقف الفيلم وأستغرق في الضحك لبرهة من الزمن.

إن هذا الفيلم بقدر ما هو ساخر وهزلي ليستمد سخريته من الواقع المرير الذي عاشه العالم وما زال يعيشه حتى اﻵن من صراع على القوى واستعراض للعضلات، ولأن هذه الحقائق مُرة وعدمية جداً يصعب شرحها للمواطن فيتم تغليفها بأيديلوجيات حقيرة أو معتقدات دينية سخيفة لترى بعد ذلك جيشاً من التُّبع والمطبلين لهذه السياسة أو تلك ولو علموا حق العلم ما يدور في الغرف المغلقة والصدور الموصدة لسقطت كل هذه اﻷنظمة ولعدنا إلى المربع الأول حيث قانون الطبيعة اﻷوحد .. الفطرة!

بعد المكالمة الشهيرة بين الرئيسين اﻷمريكي والروسي والتي امتلأت بالكوميديا في كل عبارة منها (خاصة أثناء المنافسة بين الرئيسين أيهما أكثر أسفاً من اﻵخر!) يتوصلان إلى حل بالتضحية بطقام الطائرة المتوجه للقصف، ولكن ماذا تفعل إن كنت قد دربت جيداً مجموعة من الجهلة المؤمنين إيماناً أعمى بحيث لن يتوقفوا إلا عند ضرب الهدف وهذا ما دربتهم عليه! .. يتدخل هنا “دكتور سترينجلوف” بشخصيته الغريبة وسيجارته وحركاته العصبية وكرسيه المدولب.. إن منظره يبعث على الرهبة والسخرية في آن واحد.. شارحاً لنا ما الجدوى من بناء سلاح نووي يعمل أوتوماتيكياً عند إحساسه بالخطر ولا يمكن إيقافه: “إنه ليس ممكناً فحسب سيدي الرئيس.. بل هو أساسي للعملية برمتها، إن هذا هو الهدف من بناءه!” .. وبعد فشل خطة استعادة جميع الطائرات المتوجهة للقصف يقترح “دكتور سترينجلوف” على الرئيس خطة راديكالية تتلخص في اصطفاء مجموعة من البشر من كل اﻷجناس واﻷعراق بناء على قوتهم وكفاءتهم الجسدية وخصائصهم العقلية والبدنية ثم إلجاءهم إلى حصن منيع لحين انقشاع اﻵثار النووية عن الكوكب! تبدو تلك الخطة مثيرة جداً للجنرال “باك” فتدور عيناه في محجريه متشوقاً لما يسمع في مشهد مضحك، ومع تعطل نظام إطلاق الصاروخ اﻵلي يقرر الكابتن “كينج كونج” إطلاقه يدوياً فيمتطي الصاروخ وكأنه حصان بري ويسقط معه في لقطة كوميدية تستحق التصفيق .. هنا فقط يبدأ الجميع بالاقتناع بفكرة “سترينجلوف” ويتخيل نفسه من ضمن المختارين للبقاء على قيد الحياة .. حتى إن الحياة نفسها لتدب في أوصال “سترينجلوف” فيقوم من كرسيه المدولب فجأة كأنما بعث من جديد ويحيي الرئيس بتحيته النازية: “ماين فوهرر .. إنني أمشي!”

509d3177dbab1.image

قد يعجبك ايضا
اشترك في بريد الموقع
اشترك في بريد الموقع
لن يتم مشاركة بريدك مع اي جهة أخرى