التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

three_iron

في الاربعينات والخمسينيات والستينيات كانت السينما اليابانية الأبرز في أسيا، هذا ماينفى ابداً وجود سينما كورية أو أي سينما آخرى، لكن التركيز المكثف كان على السينما اليابانية والمشاهد السينمائي والمتتبع للحركة السينمائية اليابانية، ابداً ماراح يستغرب الإهتمام الحاصل بالسينما اليابانية، خصوصاً مع وجود مخرجيين يابانيين عظماء اثروا السينما اليابانية (وماعندي معلومات شاملة لذلك الفترة ومن الممكن المعلومة القادمة خاطئة لكن هي مجرد اجتهادات شخصية)، ولعل الفضل بالاهتمام بالسينما اليابانية تحديداً المخرج الياباني العالمي (Akira Kurosawa)، بالتأكيد هناك مجموعة من المخرجيين اليابانيين المبدعين ولعل من ابرزهم(Yasujirô Ozu)، لكن أكيرا كوروساوا الفاتح وأعتقد اللقب مناسب تماماً لكوروساوا, ومانستغرب ابداً أنه كوروساوا حتى يومنا هذا يمثل لكثير من متابعين السينما الفاتح لبوابة السينما اليابانية، ومازال بين كثير من عشاق السينما خلاف حول أفضلية كوروساوا بل حتى أن البعض يذهب لأبعد من ذلك حين يتهم كوروساوا بأنه مخرج ياباني بالاسم فقط لدرجة لم يستطع معها تبنٍ وتوصيل الثقافة والحضارة اليابانية بأفلامه, لكن هُنا نعود لموضوع الجنسية الثقافية حتى لو أن كوروساوا ناقش قضايا غيره ولم يتستطع توصيل وتبنٍ الثقافة اليابانية -وهو لم يفعل- لم يفكر بواسطتها وهنا أختلف كبير, عموماً الموضوع راح يطول وراح نخرج عن موضوع الرد الأساسي, وسبق وقلت أو أقولها الآن أن مشاهد سينمائي بسيط جداً لا أمتلك خبرة كافية للخوض في التفاصيل.

بعد سيطرة السينما اليابانية على الساحة لفترة طويلة ظهرت حركات سينمائية متواضعة ببعض المناطق الأسيوية ولعل ابرزها جارتهم كوريا وإيران, عموماً تدريجياً هيمنة على الساحة الأسيوية السينمائية إيران وكوريا الآن مع ضمور واضح للسينما اليابانية, لايسعنا الحديث الآن أيضاً عن تطور السينما الإيرانية خصوصاً بعد الثورة الإسلامية, لكن سنتحدث عن السينما الكورية في بداية الرد ذكرت بأن سيطرت السينما اليابانية لايعني نفي بقية الأعمال الآخرى, الحديث عن السينما الكورية متعب خصوصاً بعد أن نعلم بأن كثير من الأفلام الكورية أختفت أو دمرت نظراً للأحداث السياسية الكورية المضطربة, بالأصل بدأت السينما الكورية تطفو على السطح ببداية الثمينات مع ماعرف بأسم ربيع سييول لمحاولة انبعاث السينما الكورية, عموماً بعيد عن تأثر عدد كبير من المخرجيين الكوريين بالموجة الفرنسية الحديثة وكثير غيرها من الحركات السينمائية هنا وهناك, هناك الموروث الشعبي كميلهم للأفلام الحركية كمثل الصين واليابان, السينما الكورية في بداية الألفية بعثت من جديد دون أي اتفاق مسبق كما يبدو لي, اصبح هناك سينما كورية عصرية بعيداً عن الأفلام الحركية(ولا أعيب هنا على أي تصنيف سينمائي), تهتم بمشاكل المواطن الكوري على كافة الأصعدة, تألقت وتميزت عدة اسماء منهم من سنتحدث عنه اليوم (كي دك كيم), لن اتحدث عن مسيرة ولا عن بقية أفلامه وأعتقد بأن هناك عدد مميز من المراجعات لفيلمه الأشهر (Spring, Summer, Autumn, Winter… and Spring).

عموماً بعد الكلام الفارغ أعلاه, لابد من الحديث عن الفيلم, قال المخرج اليوناني (ثيو أنجلوبولوس) والذي للأسف احزنني قبل فترة خبر وفاته المفجع اثناء تصويره لإحدى مشاهد فلمه الجديد, قال: (شخصيا، لم أحاول أبدا أن أترجم الصور بطريقة نمطية، مثل معادلة هذا يدلّ على هذا. أنت، في هذه الحالة، تفقد الشعر. أحيانا يتعيّن تلقي الفيلم من خلال الجلد وليس الدماغ وبطريقة سحرية. من الجلي أن الفيلم، إذا كان مهيئا لذلك، يكون مفتوحا على سؤال: أنت لا تستطيع أن تستقبل فيلماً بطريقة سحرية إذا هو غير شعري. الفيلم الذي يحترم نفسه ويحترم جمهوره ينبغي أن يكون مفتوحا على قراءات مختلفة.) اتفق معه جملة وتفصيلاً بما قاله, هذا الفيلم بالتحديد كان من الممكن بأن يكون فيلم عابر, أقل تأثير,لكن اللمسة الشعرية التي يتحدث عنها ثيو, تأثير الفيلم من خلال الجلد وليس الدماغ ظاهر هُنا,لو أن هذا دل على هذا كما يقول ثيو لأصبح الفيلم مجرد فيلم تقليدياً عن شاب يقتحم المنزل يرتبط بفتاة تتقبل نمط حياته الفوضوية, لو وقع المخرج بهذا الفخ لتحول الفيلم, لفيلم جريمة حركي بأمتياز, لكن الشعرية المكثفة بالفيلم جعلت الفيلم يتلقي من خلال مسامات الجلد الدقيقة بطريقة سحرية, الفيلم يتحدث عن شاب في العشرينات يقتحم المنازل لا للسرقة ولا التخريب, إنما للنوم و للمكوث فيها فقط!, لانعرف تاريخ هذا الشاب هل هو مشرد لايمتلك منزل؟, أم يقتحم المنازل لأنه يريد ذلك فقط, أم لإضافة بعض الإثارة لحياته, لايهتم المخرج/المؤلف لهذه التفاصيل ابداً, وكأنه منذ البداية يقول للمشاهد وفر حكمك لنفسك, هناك شاب يقتحم البيوت نعم وهو فعل إجرامي وتعدي على خصوصية الآخرين, لكن دون أن يسرق أي شيء نعم كذلك, أي مقتحم هذا, مقتحم جمع الضديين معاً اللأخلاقية والأخلاقية؟, بسبب انعدام الماضي للشخصية لانعرف لماذا يقدم على فعل كهذا, عموماً السبب هُنا غير مهم, وكما ذكرت سابقاً بأن المخرج رمى قانون السببية هنا بالقمامة, عموماً بأحد الأيام يقتحم الشاب أحد المنازل الفخمة ليتعرف هناك على فتاة يبدو أنها تتعرض للعنف من زوجها, هذه الفتاة على عكس جميع من اقتحم منازلهم(وهنا نقطة سنعود إليها فيما بعد) لم تفزع ابداً بل على العكس هربت معه دون أن تنطق بكلمة واحدة!, هي وجدت الملجأ وهو وجد الرفقة, لم يهم الفتاة ابداً المخاطرة الدائمة بحياة الشاب, رغم أنها كانت تعيش حياة رغدة, إلا أنها فضلت هذه المخاطرة, فحياة الشاب دائماً على المحك وكأن هناك حرب ستندلع بأي لحظة, إلا أنها لم تبلى ولعل السبب يعود لأن حياتها السابقة رغم مافيها من نعم, إلا أنها على نقيض حياة الشاب فلم تكن على المحك بل تعدت المحك وأعلنت الحرب منذ زمن غابر, والضحية الوحيدة هي وحدها, أما بالحياة الآخرى فالضحايا اثنان, ولايستغرب المشهد ابداً حين قررت الهروب ابداً وحين فضلت المحك على الحرب, حتى أنه لاينطق بالسؤال القائل لماذا فضلت هذه الحياة رغم ضيق فسحة الأمل, هي الآخرى شخصية مجرد عن الماضي, مفصولة عنه, مانعرفه عنها أنها متزوجة ومن الممكن أنها كانت فتاة مشهورة أو شيء من هذا القبيل, مما ساعد على الشاعرية المكثفة برأي اقتحام المنازل, وظفها المخرج هُنا بطريقة شعرية مميزة, فالتجوال بعدد من المنازل المختلفة ساعد على خلق صورة مميزة, فمن القصور المزينة بأفضل وأجدد التحف المستوردة, للشقق المتواضعة, والمنازل الكورية التقليدية,والعشوائيات, بل يذهب المخرج لأبعد من ذلك ليضيف نوع من الشاعرية الارتباطية عند المشاهد فعند دخول كل منزل نتعرف على اسرار البيوت عند سماع الرسالة الألية في الهاتف, فمنهم من ذهب للزواج بعيد زواجه لهاواي, ومنهم من سافر لأجل العمل وهكذاهناك إضافة مميزة للفيلم ولعلها الأكثر شاعرية وتأتي في النصف الأخير من الفيلم, بالتحديد عندما قرر البطل ممارسة التسلل أو الخفة للاقتحام, فيعود متخفياً لجميع المنازل التي اقتحموها للوقوف على الاطلال, وردات الفعل مختلفة ويبدو لي بأنها مرتبطة بمشاعر الأشخاص فمنهم من يشعر بوجودة بكل إرتياحية (البطلة) ومنهم بمن يشعر بوجود زائر ثقيل (زوج البطلة) ومنهم من لايشعر به ابداً.