التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

tumblr_myvu9eD6A21snilh8o7_500

“الوقوع في الحب هو أمر جنوني، وكأنه صورة مقبوله اجتماعيًا من الجنون”.

مع أول ظهور عرض دعائي لهذا الفيلم، شعرت فعلًا أنني سأشاهد عملا مختلفا عن الأفلام التي شاهدتها في السنوات الأخيرة، وتجربة سينمائية جديدة ربما. رؤية تعابير وجه خواكين فينكس الفرحة والحزينة مع صوت سكارلت جوهانسون في الخلفية حتما ستثير اهتمامك!. من أكثر الأشياء التي كنت أتطلع إليها هو رؤية ماذا سيقدم سبايك جونز في رابع أفلامه الطويلة بعيدا عن التوهج والتألق الذي دائما ما يرتبط باسم تشارلي كوفمان. في بداية أفلامه الطويلة Being John Malkovic ظهر اسم سبايك جونز كأحد أفضل المخرجين الشبان الواعدين في ذلك الوقت، تلاها مع تعاون آخر مع كوفمان في Adaptation. وأكد أنه حتمًا مخرج متمكن ويعرف كيف يصور قصة واقعية/خيالية على الشاشة.

قصة فيلمنا هذا تدور في المستقبل القريب عن شخصية ثيودور توامبلي، كاتب الرسائل الذي يعرف كيف يصور ويكتب مشاعر الآخرين ولكنه ضائع ومحتار في مشاعره الخاصة. يشد انتباهه مشروع تقني وثوري جديد يمكّنك من التحدث مع جهازك المحمول، بحيث لا يكون الصوت مبرمج على عدة مستويات فقط، بل صوت انسان بمشاعر وأحاسيس واقعية جدًا. قصة الفيلم بسيطة وقد تكون أقرب الى قصة حب رومانسية اعتيادية، ولكنه في الحقيقة أكثر من ذلك بكثير، سبايك جونز هنا يصور رؤيته الخاصة وأسئلته وأفكاره عن المستقبل القريب، والذي يشعرك حقا بالقرب من الزمن الذي تقع فيه أحداث الفيلم أنه صور المستقبل بلا مبالغات، فجهاز محمول يتحدث إليك نجدها في الأجهزة الحالية، واللعبة التي يلعبها ثيودور في منزله أيضًا، ليس بالدقة والواقعية التي شاهدناها في الفيلم طبعًا ولكنك لن تستحيل وقوع ما شاهدته في المستقبل.

الفيلم كان صعب المشاهدة والتلقي، ليس بسبب تعقيد في السيناريو والحبكة، ولكن من كمية المشاعر المتناقضة التي يشحن سبايك جونز بها مَشاهده، فحقيقة من الصعب أن تجمع أصناف الأفلام التي جمعها جونز في فيلمه بهذا التوازن الدقيق بدون ان تخل او تحيد عن موضوع معين. فالفيلم كان مبهج في أوقات، ومحزن وكئيب جدًا في أوقاتٍ أخرى. هذا الشيء كان مربكًا أثناء المشاهدة، ساعد في هذا الجو العام الذي وضعه سبايك جونز لمَشاهد الفيلم؛ وزوايا التصوير الرائعة التي أخرجها بمساعدة السينماتوغرافر الهولندي Hoyte Van Hoytema، فتم تصوير المشاهد المبهجة الخارجية غالبا في وقت النهار، والمشاهد الداخلية بلمسة من السوداوية والعتمة التي كأنها انعكاس لمشاعر ثيودور الشخصية.

Her يسأل أسئلة حتمية عن مستقبل الإنسان القريب، وعلاقته مع الآلة التي دائما ما يطورها لتلبي احتياجاته لتصبح تتحكم في مشاعره أيضًا. هذا الموضوع ربما شاهداناه في بعض الأفلام التي كان Electric Dreams أحد أكثر الأفلام التي شبه النقاد فيلم Her بها، وتم اتهام سبايك جونز أنه سرق الفكرة من هذا الفيلم ولكنه أجاب بأنه أول مرة يسمع عنه، ولكن التشبيه الذي أراه أكثر قربًا ووضوحا في مضمون الفيلم وهو موضوع الإنسان والآلة هو قربه من تحفة ستانلي كوبريك 2001: A Space Odyssey، الذي رأى فيه كوبريك مستقبل البشرية وتمرد الآلة على الإنسان في ذاك المشهد الخالد التي رفضت فيه الآلة طلب شخصية Dave واعتذرت منه عن ذلك وكأن كوبريك كان يقول أن الآلة أصبحت أكثر إنسانية من الإنسان نفسه. فحتمًا السطوة التقنية كانت متوقعة من الجميع وليس فقط من المخرجين، وتم التحدث عنها في أكثر من فيلم وان اختلفت المضامين التي صنعت هذه الأفلام من أجلها.

Her فيلم يغوص في أعماق الإنسان والعلاقات الإنسانية وعن حقيقة مشاعره من زيفها، وعن حاجة الإنسان المستقبلي للإحساس والتواصل، وكيفية تطويره للآلة لتلبي وتشغر ذلك المكان العاطفي في روحه، حتى تستحوذ عليه في النهاية وتكون بالنسبة له أقرب من بني جنسه البشر. فيلم عن ضياع الإنسان وتمسكه بالماضي وألم الذكريات والحنين إليها، جاعلًا ماضيه هو المتحكم والمسيطر عليه. كل حوار وكل جملة كتبها سبايك جونز في هذا الشأن كانت عظيمة وسيبقى صداها يتكرر في رأس المُشاهد لوقت طويل.

أداء خواكين فينيكس “الإعجازي” في الفيلم كان أحد الأعمدة التي ساعدت على نجاحه. خواكين يعطي شخصية ثيودور أبعادًا وأحاسيسا لا يقدر على إيصالها بهذه الدقة الا ممثل خارق وفريد من نوعه، فينكس يقدم ربما أفضل أداء له بجانب دوره في The Master العام الماضي. صوت سكارليت جوهانسون تعدى حدود الهاتف التي كنا نسمعها من خلاله وكان مؤثرًا واختيارها في دور سامانثا كان موفقًا. وللأسف أننا لن نراها تتلقى ترشيحًا للأوسكار لأن ما قامت به فعلا يستحق الإشادة والتكريم. آيمي أدمز كذلك تنجح في تقديم أداء رائع والذي برأيي كان مناسبًا أكثر لها عن شخصيتها في American Hustle، في Her تقدم شخصيتها بكل عفوية وتشعر أنها أقرب لشخصيتها الحقيقية. صداقتها ومشاهدها مع ثيودور كانت ثاني أهم علاقة في الفيلم وكانت تمهيدا لمشهد النهاية الخلاب.

سبايك جونز صنع فيلمًا متكاملًا وأشبع المُشاهدين من جميع العناصر، السيناريو والإخراج والموسيقى والتصوير السينمائي، وأداء عظيم من خواكين وسكارليت وآدمز، جميع هذه العناصر تجعل Her أفضل فيلم في عام 2013 بالنسبة لي.