مراجعات وتوصيات الافلام والمسلسلات والسينما Movies, Reviews, Trailers, series, sitcom, TV Shows, Movie Tickets, Saudi Cinema، Saudi Box Office ما يعرض حاليا بدور السينما وشراء التذاكر.

شجرة الحياة تحكي أسرارها مع تيرانس ماليك

1 19

*قد تحتوي هذه المراجعة على حرق لبعض الأحداث ينصح بمشاهدة الفيلم أولاً ثم القراءة.

tumblr_n02wybcrZM1qg8eplo1_500

من نحن؟ وهل سندرك يوماً معنى كلمة الحياة؟ هل ندرك حقاً سر وجودنا؟ هل معالم هذه الحياة والتشكلات الطبيعية التي تتمحور حولنا هل هي دلالات على ربط بيننا وبين هذه الحياة على هذا الكوكب؟ هل سنصل يوماً ما الى نقطة تفصل بها بين واقعك الحي وواقعك الخيالي أو “النفسي” “الذاتي”؟ المخرج تيرانس ماليك أستغرق ست سنوات في تقديم وشرح هذه النقاط مفصلةً بنمط سيريالي سيمفوني تصل لمرحلة العظمة في سرد هذه الاشكاليات والتساؤلات بنمط يظهر لك جمال هذا الكون وأسراره المدفونه وجوهر تلك الكائنات التي تتنفس في بقعة من ذلك الكون ذهاباً بك لرحلة عظيمة سيريالية روحانية من الألف الى الياء تشرح لك تلك النقاط المبهمة والحالات نفسية بشكل يربط بين الانسان والألهة وتلك الدلائل الرمزية في هذا الكون والطبيعية.

في البداية دعني أخبرك بأن المخرج تيرانس ماليك ليس من فئة المخرجين التي تهواهم هوليود وعشاقها غالباً, هو مخرج يرسل لك دلائل ومفاهيم ورسائل يناقشها معك ويوضحها بأسلوبه المرسخ بالعقلانية والفلسفة الفكرية العميقة, هو حتماً في هذا الفيلم وصل لمرحلة قارع فيها تحفة ستانلي كوبريك الفضائية كونه ناقش مسألة الوجودية وأسرار الحياة بحذافيرها وصورها بنمط فنتازي أو بالأحرى عمله هذا متناسق تماماً مع الفن ميتافيزيقية. وهو فن يستهدف دمج الأشياء ممثلاً عالماً يعمل مباشرة مع معظم العقل الباطن, وراء الواقع المادي واصلاً تماماً من خلاله لمرحلة بعيدة من السيريالية المتجبرتة والدسمة.

تيرانس ماليك في البداية وبوضع كاميراته ولمساته للقطات رمزية توضح قليلاً معالم هذا الكون من سماء صافية وأزهار وشجرة كانت في البداية هي ثمرة قيد الحياة والنشأة وهي بداية لأصل هذا الكون ومصدر الطاقة المستمد من حولها, تيرانس استعان بخبراء في صنع موجة ورحلة مليئة بالزخم السيريالي توضح فيها بداية نشأة هذا الكون من تفاعلات وتشابك ألوان ممزوجة برونق حي وموسيقى سيمفونية قدم من خلالها رؤية بعيدة المدى عن تشكلات هذا الكون وبداية نشأة الحياة على كوكبنا هذا مرسلاً اشارات روحانية بلقطات باطنية سيريالية عميقة, فتارةً يظهر لك بداية تلك الأشجار وانفجار تلك البراكين وتارةً يظهر لك تلك الديناصورات وهي تتشابك معاً والبكتريا وهي تتنازع على البقاء والتكاثر وانجراف الأنهار من على تلك الجبال تحت أشعة الشمس الملتهبة. هي حتماً لقطات ومفاهيم يصل بها عقلنا الباطني لمرحلة أدنى مما نتوقع بل نصل فيها لمرحلة الذهول والانبهار لمدى روعة المنظر الحقيقي وجمال هذا الصنع الروحاني. هي في الحقيقية بداية أصل ونشاة الحياة ومعنى كلمة الوجودية بيننا في هذا الكون. تيرانس أعتمد باستخدام هذا الأسلوب الفوقواقعي “السيريالي” الثقيل ليدخلك عالماً في جانب عقلك الباطني والذي يشير الى مجموعة من المؤشرات والألغاز الفكرية والتي لا يستوعبها سوا عقلك ووعيك ومفهومك الخاص لها.

هنا في شجرة الحياة ومن بين عشرات الملايين من العائلات على كوكبنا هذا وجدت عائلة جاك, جاك ظهر لنا في البداية وهو بعمر الخمسين في أحد تلك المباني الهندسية المعمارية يتحدث عن مشروعه القادم حول تصميمات هندسية على شاشة الكومبيوتر ثم يذهب ليتامل تلك الحياة من خلال نافذة أحد ناطحات السحاب. تيرانس أستخدم أسلوب السرد الممزوج وتشابك اللحظات وربطها بفواصل ذاتية ونفسية تعود بك من بداية الفيلم من هو جاك ونشاته والغريزة النفسية التي تخلخلت فيه وكيف تعامل مع المحيط الذي يحتويه من اخوانه والحيوانات التي بجانبه والطبيعة التي ينحصر حولها, تيرانس وضح لك حجم المشاعر والغريزة النفسية التي تربى وترعرع عليها منذ صغره حيث عدم الاهتمام والصراع النفسي والحقد المكبوت ومن ناحية اخرى اظهر التصرفات والتفاعلات مع الأخبار الحزينة كموت شخص امامه واستدراكه لوجود الحياة وتساؤلاته مع الرب وحديثه معه بمناجة لتخليصه من ظل التعب النفسي الذي يتأكل من داخله والذي يسعى لتفكيكه وانهياره تماماً في أخلاقه وروحه وانسانيته. مظهراً لك ربط الانسان بالطبيعة ومالها من رونق حي خاص ارتبطت نشأته فيها “حديقة البيت والشجرة”. تيرانس ركز على شخصية جاك في هذا الفيلم لما تظهر لنا هذه الشخصية من تصرفات وسلوكيات مختلفة ورسائل فكرية توضح لك حب الانسان لهذا الكون وعلاقته الشديدة بالحياة سواءً مع أخوانه ولعبه معهم أو علاقته مع والده وأمه.

أما الأب يدعى مستر أوبريان وهو بمثابة الاب الضائع في حبه وشغفه بالموسيقى وبين عمله كموظف في مصنع قريب للمواد الزراعية, رغبته وعشقه لتلك الآلة الموسيقية أصابها الفشل في الماضي جعلته محبطاً من هذه الحياة فاقداً للذتها من الجانب الاخر هو مهتم فعلاً بتلك التربة والزراعة الخصبة محب حقيقي لتلك الطبيعة الحية يعمل بكد للحفاظ عليها. مستر أوبريان لطالما أحب أولاده لطالما أراد أن يكونوا أقوياء لا ينكسرون هو يعلمهم القسوة والجفاف والتربية الخشنة ومع ذلك كان الرد الطبيعي من الفتية هو الخوف الممزوج بالحب لذلك الأب, متمسكين به رغم المعاملة الخشنة والقاسية, يحترمونه ويحبونه وفق شروطه وسلوكياته. براد بيت في هذا الدور جسد تلك الشخصية بحذافيرها, تيرانس وجد ضالته ونجح باختيار الممثل الناجح والمصقول لتجسيد هذه الشخصية الخشنة والمنضبطة.

أما الأم فهي الانسانة المتدينة المليئة بالحب لتلك الحياة السعيدة ولتلك اللحظات العفوية, هي تتلوا الصلوات في كل اجتماع غداء حفاظاً لجمال الحياة واستقرار العائلة, تيرانس وضح لك علاقة الام الوطيدة مع الأولاد والتي لطالما كانت تواسيهم وتلعب معهم, هي كانت دائماً تقف بصفهم وتساندهم ضد الأب أحياناً, هي تحب أولادها وتخاف عليهم لدرجة الجنون, هي جانب مضاد لجانب زوجها الخشن والانضباطي, تلك الام لها علاقة وصلة قوية بتلك الحياة المفعمة بالحب والسعادة, مظهراً لك تيرانس حجم الضعف الذي نخر فيها أثر سماعها بخبر وفاة أحد ابنائها في الجيش.

تيرانس ماليك نسج خيوط الفيلم بين الماضي والحاضر والمستقبل حيث صنع الحياة وبداية نشاة الحياة الدنيوية وبداية نفحة المشاعر والسلوكيات الغريزية من حب وردات فعل وتصرفات لا ارادية. تيرانس استغرق من عشر الى عشرين دقيقية استخدمها لعرض اللقطات السيريالية المزخومة حيث اظهر لك تشكل الكون وتفاعلات الشمس والبراكين واظهر العلاقات بين المخلوقات منذ الديناصورات وحتى الانسان ثم اظهر الوجه الحسن من تلك البيئة المشرقة والتي تفوح بالحياة الوجودية. تيرانس في نهاية الفيلم أظهر لك جاك (شون بين) وهو يصل فجأةً لتلك الأمواج المتحلطمة يقف مرةً ويتحرك مرةً ثم يركع لتلك الطبيعة البائسة التي حوله حيث الضياع وعدم معرفة النقطة الواضحة التي وصل لها جاك من تزعزع ضميره مدركاً تماماً بانه ضائع ولم يصل لجوابه المضمون.

تيرانس استخدم الزوايا واللقطات المميزة واعتمد بعضها على التكرار وابتكار انشطارات وانفجارات تأسس لك معنى الكون والحياة وبداية نشاة تلك الأجسام الكبيرة من جزئيات صغيرة. تيرانس ماليك يصل بعيداً في هذا الفيلم حيث يصف لك الكون بمضمونه الحي والباطني باستخدام اسلوب سيريالي ثقيل مضيفاً لها موسيقى تصويرية تأخذك لموجة من رحلة زمنية مع تلك الحياة السيريالية الضخمة. لا عيب في عدم فهمك او استدراكك لهذا الفيلم كونه استخدم كمية ضخمة من المؤشرات الفوقواقعية مع سرد مختلف تماماً عن سرد الأفلام الاخرى حتى انه يختلف عن سرد الأفلام الوثائقية, شاهد الفيلم مرةً أخرى وستستشعر روعته. هي حتماً رحلة كونية بتفاصيل دقيقية توضح لك بعمل فنتازي ضخم يظهر لك جمال هذا الكون بما فيه وأصل الوجودية التي بدأت من قبلنا واستمرت من خلالنا.

قد يعجبك ايضا
اشترك في بريد الموقع
اشترك في بريد الموقع
لن يتم مشاركة بريدك مع اي جهة أخرى