التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

elegy-poster-big

عندما يأتي الحب في مرحلة متأخرة..عندما يداهم العشق رجل عابث في مواصفات ديفيد بطل فلم ELEGY يمثل ذلك الحب مأزق حقيقي لرجل اعتاد الهرب من العلاقات العاطفية التي تحمل سمة السجن .لذا طلق زوجته وعاش وحيدا يمارس عبثه لأنه كان يعتقد أنه قادر على الإمساك باللعبة الثنائية في العلاقات العابرة مع المرأة.

ديفيد الذي هو ربما في الستين من عمره يستحضر مقولات الكتاب عن الشيخوخة فنراه يردد “أعتقد انه بيتي ديفيدس من قال الشيخوخة ليست للجبناء – لكنه تولستوي من قال أن اكبر مفاجأة في حياة الرجل هي الشيخوخة” هذا المأزق مع الشيخوخة يتجلى في قوله “تسلل الشيخوخة إليك وما تعرفه بعدها هو أن تسأل نفسك واسأل نفسي أي نوع من العجائز يمثلون عمرهم الحقيقي – كيف يمكن لي أن أظل مشاركا من الناحية الجسدية للكوميديا البشرية لأنه بداخل عقلي لم يتغير أي شي”.

التنزه العاطفي:

عندما أراد ديفيد التنزه العاطفي مع كونسويلاّ لم يكن يتصور أن هذه الفتاة الكوبية الجميلة ذات التكلف الوقور ستدخله متاهة الحب الحقيقي .ستجعله غيورا واستحواذيا وفضوليا تجاه تفاصليها .ابتدأ معها اللعبة العاطفية بأن عرض عليها الذهاب إلى المسرح .. ذلك التسلي الثقافي الجمالي حتما سيجذب فتاة كـ كونسويلاّ تسأل عن رسائل كافكا وتستلذ بسماع البيانو وأيضا تدرك جمالية الصورة الفوتوغرافية .اخترقها من الزواية المحببة التي تجعلها تشعر بأنها تذهب في علاقة عاطفية مختلفة .لم يكن جادا في تلك الدعوى لكنه يدرك أن تلك التقاطعات في الفن والموسيقى هي التي ستجعل كونسويلاّ تقترب.

صديقه الشاعر جورج سأله :لماذا لا تأخذها إلى الحديقة ؟فأجابه ديفيد – هذه الفتاة تنتمي إلى وقت مختلف تماما ..فهي لا بد وأن تكون بسيطة . هذا الاختلاف والبساطة هي التي أطاحت بهذا العابث.وجعلته مقيدا في فضاء تلك الفتاة التي تمثل البساطة القاتلة.

“كونسويلاّ ” التي تنتمي إلى وقت مختلف:

“كونسويلاّ ” لم تكن من الفتيات المغرمات بالنجوم والمشاهير..ما جذبها في ديفيد الأكاديمي ليست شهرته ولكن اعتقدته الرجل الحكيم الذي يعرف كل شيء ..فهي امرأة البساطة والوضوح وكذلك تحب الأشياء التي تفعلها ..فهي تركت عملها كسكرتيرة في مكتب محاماة لأنها لم تحبه وأكملت دراستها الجامعية..آمنت بدفيد وظنت أنها قفزت مرحلة عاطفية متقدمة مع هذا الرجل الستيني التي قالت له: “رأيتك على التلفزيون كالعجوز الحكيم الذي يعرف كل شيء – الشخص الذي يعرف الكثير – الشخص الذي على دراية بالثقافة الجيدة ويعرف ما يجب ومالا يجب أن يقرأه الناس ويعلم الكثير عن الموسيقى والفن” لكن في المقابل ديفيد كان غير واثقا من أنها ستمكث معه زمنا طويلا كان يفكر في أنها ستتركه عاجلا أم آجلا كان يهجس “ستذكرني كرجل مسن قدم لها بعض الثقافة في طريقها” تلك الهواجس كانت تهيؤه لفراق مبكر. سيأتي شاب آخر وترحل معه.

كان يلبس هذه الهواجس ثوب اليقين لأنه فعلها وهو شاب كان يرتاب من هذه الطمأنينة التي تتدفق من مشاعر ” كونسويلاّ ” .لذا نصحه صديقه جورج بأن يبادر ويتركها. لكن ديفيد وبكل قلقه العاطفي يمضي إليها .ولأنها تمتاز ببساطتها ووضوحها صارحته بتجاربها السابقة وبجنونها الذي فعلته .. كان متلهف لمعرفة الكثير من تفاصليها . فعندما أخبرته بأنها ستذهب مع أخيها إلى حفلة راقصة في المساء.تشكك من صدقها وذهب إليها وعندما رأته اندهشت من حضوره وقالت له في تحذير عاطفي شديد اللهجة “هل تريد أن تفسد كل شيء ؟”. لكن حماقات ديفيد التي لم يفعلها وهو شاب تتوالى.

أنه الرجل الستيني الذي لم يثق بأنها ستمنحه حبها الأبدي .ففي حفلة ميلادها رغبت حضوره تريد أن تقدمه لعائلتها التي تعرف عن علاقتهما.كانت تريد أن يتعرفوا إليه قالت : سيبدأوا في التفكير أنني أواعد مروج مخدرات. ديفيد خذلها ولم يحضر الحفلة مما جعلها تبادر وتبتعد.

المرأة التي ترأس نفسها:

كارولين صديقة ديفيد لزمن يصل عشرين عام ..يقول عنها :هي نقطة اتصالي الوحيدة مع الرجل الواثق الذي اعتدت أن أكونه. هذه الفترة الزمنية الطويلة استمرت بينهما لأنه لم يكن يلحظ تفاصليها لم تكن هناك مسؤولية التأجج العاطفي .كانت العلاقة ذات بعد جسدي.لذا لم يكتشف مرور هذا الزمن على تلك العلاقة.

لم تكن كارولين تحمله عبء ما .عندما شكت انه يعبث مع امرأة أخرى قالت له “كانت لك معي علاقة حميمة خالصة لا مخططات ولا تعقيدات” تظن كارولين أن رتم تلك العلاقة سيجعل ديفيد يتحلى بالإخلاص .كانت واهمة وتريد أن تصديق هذا الوهم .تلك العلاقة تمثل الحميمية طويلة الأمد التي تتحول مع الأيام إلى حالة اعتيادية استمراريتيها كنوع من الوفاء لما حدث لكن الدهشة تغيب ويغيب التجدد الذي ينشده ديفيد في كل علاقة .كارولين كانت ممتلئة بذاتها ..ما كانت تشابه كونسويلاّ المؤمنة بضعفها واحتياجها لرجل يقودها . كانت امرأة تحب ترأس نفسها كما كان يصفها ديفيد.وتجيبه مبتسمة: أضحك ،ضايق امرأة تدير أعمالها بنفسها.

الفن والملكية:

يعتقد ديفيد أن الذين يشترون اللوحات الفنية يظنون أنهم امتلكوها .لكنهم لا يدركون أن تلك اللوحات تظل في رهينة من أبدعها ..رهينة محتواها الإبداعي..لذا عندما قال في الاندهاش الأول : أنتِ قطعة فنية ..وأنه رأى فيها ما لا يراه الغير ..كان يعتقد الجميلات غير مرئيات. لذا يجب إعادة اكتشافهم .ديفيد المعبأ بفلسفة الأشياء كان يعبر عن الشعر بقوله : لا اعرف الشعر ولكن أدركه حين اسمعه..كذلك يقول عن الجمال “الجمال في عيون من يدركه –كنت دائما أبجل الجمال الأنثوي” لكنه يتعمق في توصيفها “كانت مختلفة فهي تتجاوزك لما بعد الكمال – هي تعرف أنها جميلة لكنها مازالت غير متأكدة بعد ماذا يجب عليها فعله بذلك الجمال!”.

لذا عندما أصيبت كونسويلاّ بمرض سرطان الثدي وتم اقتطاع ذلك الجزء الذي كان يراه الأجمل .. كان ذلك امتحان لمحبته و هل سيراها جميلة ! أم سيتخلى! كانت تظن أنه سيتركها.. لذا عادت إليه بعد غياب عامين لتخبره بمرضها وتخبره أيضا برغبتها في أن يرافقها في المستشفى حين قالت له: “ليس لي خليل آخر” .في تلك اللحظة المكتظة بحزنه على مرضها ابتسم وشعر بالفرح واستعاد ثقته بأنها لم تتعرف على أحد في غيابه.أدرك حينها أنها تعني الحب تماما.أنها تحفظ كلماته التي قالها في أول محاضرة عن كتاب الحرب والسلام.

عندما كانت غائبة كان يقول “في الليالي التي لا تكون معي أكون تائها – أفكر كيف حالها ؟ كل هذا بسبب هذه الفتاة التي أخبرتني ألف مرة- إلى أي مدى تحبني ، وهي تعنيها – هذه الفتاة التي لم ترد إخباري أبدا أنها صغيرة على عجوز مثلي” حينها أدرك الإجابة الغائبة لسؤال كونسويلاّ: ماذا تريد مني؟ لذا وبعد مرضها بسرطان الثدي ستظل تفتنه بدون تطلب جسدي .. إنها إجابة على تساؤله حين قال: “هل يمكنك العثور على شخص يفتنك – دون ممارسة الحميمية؟”.

الوضوح الكاذب:

عندما كان ديفيد في غرفة التصوير المظلمة التي يحمض فيها أفلامه سألته كونسويلاّ:

– هل ما تقوم به دوما هو الأبيض والأسود؟

– غالبا فأنا أحب دوما الوضوح المفصل.

– أهكذا ترى العالم؟

ديفيد ممن يسربون للآخرين شفافية مخاتلة .فهو بارع في تقديم ذاته بأنه رجل الوضوح وكذلك الصدق لذا فهو في مجادلته مع ابنه “كيني” عندما كان يلومه على قراره بالانفصال عن أسرته .أجابه بتباهي – على الأقل كنت صادقا- لكن ديفيد يدرك كيف هو مخاتل فعندما توفي صديقه جورج وفقد كونسويلاّ انغمس في التدريس وحاول أن يعود للعب كرة المضرب ..لكنه لم يستطع اللعب.ترك الكرة تتدحرج ..وأيقن أنه لم يشفى وأنه يخدع نفسه .وإذا كان ديفيد يمثل حالة الوضوح المخاتل فأنه صديقه جورج يمثل حالة الرجل المتظاهر .كان يكثر من الوصايا لصديقه ديفيد يقول له: “ينبغي أن تتزوج مرة أخرى – شّعب احتياجاتك – تبادل الحديث مع زوجتك إذا شعرت بأنك تحب ذلك..اذهب إلى المتاحف أو إلى أي مظاهر تريدها” لكن جورج لم يكن يطبق شيء من تلك الوصايا.

وهي تسير مع ديفيد ضبطت جورج وهو مع امرأة أخرى في مقهى .ذلك التصرف أغضبها .وهو إشارة إلى إيمانها بالالتزام العاطفي .وكانت صادقة عندما قالت لديفيد: عليك أن تثق بي.فجورج صديق ديفيد ظل رهين عتمته الذي يعتقد بأن أفعاله لا ترى ..لم يكن يظن أنه مفضوحا ..لكنه عندما قبل زوجته وهو في غيبوبة المرض قالت: وددت أن أكون ما كان يعتقدها!

الكبار أكثر خوفا:

ما كان يميز شخصية كونسويلاّ إدراكها الوضوح مع أهدافها أو حسمها للأشياء بطريقة هادئة. لذا كانت الإشارة إلى قص شعرها كدلالة على قدرتها على التهيؤ للأشياء المصيرية في حياتها: “أنا أقص القليل منه كل يوم –حتى يحين زواله فأشعر حينها بقرب نهايتي”.

في المقابل كان ديفيد هو الأكثر خوفا الأقل طمأنينة الأكثر ارتيابا في التعاطي مع الحب..كان أزمته العاطفية تكمن في هذا التساؤل الذي طرحته عليه كونسويلاّ:

سألتني ذات يوم، ماذا تمثل لي؟

كنت خائفا جدا من أسألها، ماذا أمثل أنا لها!

ديفيد لا يشابه الرجل الحكيم الذي يخرج على شاشات التلفزيون ليظن الآخرين أنه يعرف كل شيء. وفي اعتقادي أن ما يريد أن يقدمه الفلم هو أن الكبار في السن هم الأكثر خوفا والأكثر قلقا وأن تجاربهم الحياتية لا تجدي حين يلتقون بنموذج يشابه نموذج كونسويلاّ تلك المرأة ذات التكلف الوقور وذلك الوضوح المبجل.كونسويلا ّ هي الملتزمة عاطفيا في أمريكا المنحلة التي أشار إليها ديفيد في بداية الفلم.جعلته يصنف من الجبناء الذين لا يخشون الشيخوخة لكن يخافون الحب الجارف الذي يزللهم في لحظة متأخرة.