مراجعات وتوصيات الافلام والمسلسلات والسينما Movies, Reviews, Trailers, series, sitcom, TV Shows, Movie Tickets, Saudi Cinema، Saudi Box Office ما يعرض حاليا بدور السينما وشراء التذاكر.

جران تورينو؛ مشاعر متناقضة بين الموت والحياة

0 23

قد يظهر لك هذا البوستر القامت في خلفية هذه المراجعة عن مدى حجم الكأبة والبؤس الذي يعيشه هذا العجوز الناشف، ولكن خلف هذا اللون مآسي وذكريات قاسية عاشها والت كوالاسكي (كلينت ايستوود) في زمن الحروب فصنعت منه انساناً قاسياً لا يتأثر بمن حوله ولا يملك تلك المشاعر والأحاسيس وتلك العواطف اتجاه الاخرين حتى مع أقربائه، كلينت ايستود هنا بأخر أعماله الدرامية في مجال التمثيل والثاني له في عالم الإخراج يعطينا درساً عن الموت والحياة وكيف تتعامل مع هذه الحياة الخطيرة والمتقلبة بقساوة ولين هو باختصار فيلم يحلل شخصية متعجرفة عنيفة استطاعت أن تذوب في مجتمعٍ متغاير لا يملك منها سوا تلك القطعة الحديدية (سيارة الجراند تورينو من عام 1972) ويستعد لإحداث ثقبٍ برأس أحدهم إن تعرض لها.

والت لم يعلم بأن هذه الحياة ستغدر به وتجعله بمحط موقفٍ حرج صعب، تفتح أبوابها له ذات يوم لعالمٍ قاسٍ عنيف تجعله وحيداً خالٍ من العواطف واللحظات الأنسانية المرحة، فبعد وفاة زوجته وافتتاح الفيلم بمشهد احياء جنازتها تجده من ملامحه ومن النظرة الأولى عبارة عن شخص عنيف من الداخل عنصري الطبع يسكن بجثة هامدة لا تتأثر بمن حولها، هو يملك تلك العائلة الشقية وهؤلاء الأحفاد الرائعين لكن لا يكن لهم بأي مشاعر، ربما الطرفين بالحقيقة لم يكنوا لبعض بشيء، كأنهم يعيشوا حالة من الانفصام العاطفي رغم صلة القرابة القوية، بل أن والت يشمئز منهم بسبب تصرفاتهم والخيارات التي أقدموا عليها كتلك السيارة اليابانية التي أشتراها أحد أبنائه والتي يحتقرهم بسببها كونه هو أحد الأوفياء الذين عملوا لمصنع فورد الأمريكي لصناعة السيارات والذي بنظره كان ينبغي عليهم الاقتداء به وتجسيد الوفاء لتلك الشركة الأمريكية، حتى حفيدته التي لم تكترث لحرمة وفاة جدتها حضرت لتلك الجنازة بلباس يكشف بطنها، هي تجاوزت تلك الجرأة بسؤالها لجدها عن تلك السيارة التي تسكن الكراج هل سيورثها لأحفاده بعد أن يموت، ماذا سيفعل بها؟ خلفةً وسعياً من ولده وعائلته اللذين طلبا منه أن ينتقل الى دار العجزة والمسنين أملاً للحصول على منزله ومتعلقاته. لا أعلم ماذا حصل لهذا الكون؟ وتحديداً لهذه العائلة المنفصمة جذرياً.

في الجانب الأخر من هذه المشاعر المتناقضة والدفينة والت لا يخفي مدى كرهه وعنصريته اتجاه جيرانه الصينيين الذين قدموا لهذا الحي الهادئ بأمريكا، هو يرفضهم وينبذهم ولا يهدأ من استخدام تلك الألفاظ العنصرية اتجاههم، هو يملك في خزنته بندقية ومسدس منذ مشاركته بتلك الحرب التي جمعتهم مع الكوريين سابقاً هو يعاملهم كمعاملته للخصوم في أرض المعركة، الكُرْه والعداوة والنَّبذ العنصري ولا شيء سوا ذلك. هم يطلبوا منه الرحيل وتفريغ منزله لأصدقائهم الصينين وهو يرفض الحديث معهم كما يرفض مجادلة القسيس الذي لطالما أصر كثيراً عليه بأن يذهب للكنيسة ويعترف بذنوبه تنفيذاً لوصية زوجته قبل موتها بشهور، بل وصل الحال بعد تلك المحاولات المملة من القسيس أن وافق والت على الحديث معه بتلك الحانة مخبراً أياه بسؤال جدليّ: ماذا تعرف عن الموت والحياة؟ ليخبره والت انه عاش لحظات ومآسي قاسية من تلك المعارك التي خاضها في سن شبابه ثم يعود القسيس ليخبره: وماذا تعني لك الحياة؟ ليجد والت حالة من الصمت وعبارة التأكيد من قبل القسيس بأنه قضى مُجمل حياته من لاشيء أو من فراغ تام لا معنى له.

مهلاً؛ هل هذا يعني أن والت كوالاسكي عاش بقية حياته بنفس هذه التصرفات والمشاعر الضغينة المتعجرفة اتجاه الأخرين؟ الجواب لا، ففي الساعة الثانية من الفيلم نجد والت يميل ويتعاطف مع أحد أفراد جيرانهم الصينين ليس من باب الشفقة لكن لأنه رجل يؤمن بالحق وبأحقاقه ففي مشهد تلك العصابة التي أجبرت ذاك الصبي بالذهاب معهم بشتى الطرق، يظهر والت باللحظة الحاسمة ببندقيته فيخلصه منهم منهياً حديثه مع تلك العصابة بجملة (أبتعد عن عشبي). نعم؛ هذه الجملة التي أظهرت معدن ومشاعر هذا العجوز الدفينة والذي بدأت عليه علامات الموت (سرطان الرئة) ويخوض تلك النقاشات العديمة (الموت والحياة) ليحول فلسفته تلك التي أجراها مع ذاك القسيس في تلك الحانة والتي ذكرناها بالأعلى الى تطبيق عملي مجاوباً من خلاله لذالك السؤال الوجداني: ماذا تعني لك الحياة؟

هي تعني له الخلاص الروحي والبحث عن التصالح النفسي أو التطهر إما بتضحية للأخرين أو بالأعتراف المجَّرد من تلك الخطايا والذنوب، ولعل والت وجد التضحية لتلك الفتاة وأخوها الساذج لحياة أفضل لهما هي الوسيلة الأفضل والطريقة المٌثلى ليسامح من خلالها نفسه ويطهرها من حقد وغِل تلك السنين، هو أراد أن يغفر لنفسه ويهب ذاك الصبي الصينيّ كل ما يملك بعد أن وجد فيه الحب والاحترام الخالص له والذي لطالما فقد ذاك الشعور وتلك المشاعر اتجاه أحفاده وأبنائه فيعطيه تلك القطعة الأثرية (سيارة الجراند تورينو) ويُوْجِد له الوسيلة الصالحة لكسب رزقه مُعلماً إياه من خلالها سُبل مواجهة الحياة بقسوتها ولِينها وحُلوِها ومُرِّها، واهباً حياته له ولأخته بعد أن تعرضوا لأغتصابها في الجزء الأخير من الفيلم، حيث ظهر وحيداً أمام تلك العصابة في شارعهم وعلى مسمع ومرأى جيرانهم جميعاً متصدياً لهم دون سلاح، ولكي يورطهم في قتله بالرصاص وبالتالي يتم تدمير حياتهم بالطريقة القانونية، ولتنتهي حياته مقدماً عملاً ذا قيمة عظمى تُكفِّر عن ذنوبه وأخطائه السابقة.

رغم قتامة الشخصية وثقل كاهل السوداوية التي يجسدها كلينت ايستوود هنا بهذا الفيلم إلا أنه أمتاز بالحس الرقيق الهادف والمرح قليلاً، ولربما تجسيد كلينت لهذه الشخصية تحديداً قد أعطى طابع فردي ممسوس للمشاهد عن كونه عمل فلسفي سوداوي يميل للواقع النفسي الذي يعيشه الفرد الأمريكي بعد سنين مريرة من الحروب التي خاضها سابقاً، هو بأختصار تحليل نفسي لمسألة وموضع جدلي مهم هي الترقية الذاتية والعطاء الأفضل بهذه الحياة. أترككم أخيراً مع هذه الأغنية الرائعة…

 

قد يعجبك ايضا
اشترك في بريد الموقع
اشترك في بريد الموقع
لن يتم مشاركة بريدك مع اي جهة أخرى