التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

MementoPosterأنّى لك أن تتخيل العيش تحت رحمة كاميرا تصوير وصور بملاحظات عليها فقط لتجتاز يومياتك؟ مطاردة شبح للإنتقام؟ ذاكرتك صندوق محكم الإغلاق الآن يا ليني، لا شكرًا، لا نستقبل أحداث جديدة فالذاكرة ممتلئة.. لا إحساس بالزمان والمكان، فقط تستيقظ وتتفقد صورك وملاحظاتك وأوشامك حتى تعرف مالذي ستفعله تاليًا. يالسخرية!

“ميمنتو” فيلم عبقري جدًا، هو انطلاقة المخرج الكبير كريستوفر نولان الحقيقية بعد النجاح الذي ناله لفيلمه الأول 1998 – The Following والذي كان مشابهًا نوعًا ما لنمط “ميمنتو” بسير الأحداث، فبميزانية 6000 دولار فقط وكاميرا تصوير رديئة وطاقم بعضهم أقرباء لنولان، استهل رحلته السينمائية الأولى نحو المجد. “ميمنتو” أول فيلم من إنتاج إستديو حقيقي وميزانية حقيقية وطاقم متكامل لنولان، فوظّفهم أحسن توظيف وصفّف القطع على طاولة الشطرنج ليستفتح تحفته الخالدة “ميمنتو” المعقدة جدًا.

ليونارد شيلبي، يا ترى من يكون هذا الرجل المسكين؟ ما مبتغاه؟ مالذي يفعله؟ ليني المسكين تعرضت زوجته ليلة ما لحادثة اغتصاب في بيتهم، فلما استيقظ بسماع ضجيج منتصف الليل وأخذ سلاحه وذهب لمصدر الصجيج وهو المرحاض.. ليجد زوجته ملقاة على الأرض وفوقها المجرم يخنقها، فيرديه أرضًا ويهلع لزوجته، لكنه يفاجئ من المجرم الآخر يباغته من الخلف ويطرحه أرضًا بالضرب على رأسه فيغمى عليه وسط دمائه بجانب زوجته.

يتناول الفيلم رحلة الانتقام من ليني لزوجته المقتولة زعمًا إثر الإغتصاب، لكن ليني أصيب جراء الحادثة! ضربة الرأس؟ ليني أصيب بحالة مشابهه لفقدان الذاكرة على المدى القصير، لكن ليست هي نفس الحالة، فهو يتذكر هويته، يتذكر كل شيء حصل قبل الحادثة، يتذكر زوجته جيّدًا، فهو يتمتم بها كل لحظة، يتذكر من كان وكيف أصبح هكذا، ويذكر كل من يقابله بحالته المستعصية. أصبح لا يستطيع تذكر أي حادثة مهما كانت بعد ما أصابه، فذاكرته أصبحت ممتلئة إن جاز التعبير، فيقابل عدة أشخاص لكنه لا يتذكر أنه قد تحدث معهم قبل دقائق، فلذا يستعين بكاميرته التي يحملها أينما ارتحل، فيلتقط صورة ويضع اسم صاحبها ومن يكون، ويلتقط صورة أخرى لأغراضه الشخصية… سيارته، مسكنه، ولا ينفك بالتصوير ويعلّم على تلك الصور ويتفقدها بين الفينة والأخرى. فهناك “تيدي” الرجل الذي يزعم أنه يساعده في رحلة البحث عن قاتل زوجته، فيدون اسمه على الصورة ورقم هاتفه الذي أعطاه تيدي حتى يستعين به لأي مشكلة تحصل. وهناك بالطرف الآخر “ناتالي” وهي كذلك تزعم أنها تساعده كما دوّن على صورتها من الخلف فكتب: “هي كذلك خسرت شخصًا وستساعدك بدافع الشفقة”.

christopher-nolan-memento

التسلسل الزمني العكسي الذي اتخذه نولان كنهج لسير أحداث الفيلم هي العبقرية بحد ذاتها، فالفيلم يبدأ بالنهاية، الفيلم يستفتح من النهاية! أليس هذا غريب؟ عادةً المشاهد يتوقّ بمشاهدة أفلامه لمعرفة النهاية بكل تشوق. فأنى له الاستمتاع إن استهل الفيلم بالنهاية؟! لكن هذه نظرية لا صحة لها ولا أصل. فذروة الفيلم ليست بمعرفة النهاية. أنت تبدأ “ميمينتو” وأنت تعرف ماذا حصل، تيدي مات، ليني قتله وأخذ صورة له، لكن لماذا؟ هل تيدي هو القاتل؟ هل تيدي محتال؟ هل فعلا زوجة ليني قتلت؟ نولان يجعلك تشكك بكل توقعاتك طيلة أحداث الفيلم، فيضع المشاهد في محل الشخصية ذاتها، فبالتسلسل الزمني العكسي أو إن جاز التعبير ’’البداية من النهاية‘‘ يكشف لك الفيلم كل قطعة من الأحجية واحدة تلو الأخرى، فيبدأ من الأخير ويعود بك تدريجيًا إلى الخلف وحتى البداية، فتستكمل الصورة لك وتذهل من روعتها! فلو عرض الفيلم بالتسلسل الزمني المعتاد، لانتهى الفيلم في نصف ساعة بدلا من ساعتين. بدأ من النهاية، فيعود للمنتصف، فيعود بمقتفطات من البداية، ويعود بك للمنتصف، ويأخذ من النهاية ويدور ويدور ويدور بك في دوامة حتى تستجمع قطعك من الأحجية وترى اللوحة كاملة.

فلنفصل القصة ونفكك الشفرات حتى نفهم ما حصل ولماذا، فالفيلم معقد ومليء بالتساؤلات:-

Untitled-1

“إذًا أين أنت؟ أنت في غرفة موتيلٍ ما .. استيقظت ووجدت نفسك فيها، فهنا المفتاح، قد تشعر أنك أول مرة تكون هنا .. لكن ربما مضى على وجودك فيها إسبوع، ربما ثلاثة شهور .. من الصعب معرفة ذلك، لا أدري، إنها مجرد غرفة مجهولة.”

ليني، يستيقظ ويجد نفسه بمكان ما مجهول، غرفة موتيل مجهولة، لا يعرف كم مر من الوقت، دقائق ساعات أيام، أم شهور ربما. فيبدأ بعملية التي انتهجها بنفسه وتفقد ملاحظاته وصوره ليتدارك نفسه. هناك جانب وقصة مهمة جدًا جدًا لفهم الفيلم وهي قصة الخرافة “سامي جانكس” التي وشم ليني وشمًا في يده وكتب ’’تذكر سامي جانكس‘‘، وفعلا، كل ما قابل شخصًا أخذ يتحدث بلا هوادة عن سامي جانكس المصاب بنفس الحالة التي أصابته، حتى يستوعبوا الناس الحالة الذي يمر فيها، من يكون سامي جانكس؟ يستعرض الفيلم هذه القصة التي أسميها “العمود الفقري” أو “جوهر القصة” التي تتكرر كثيرًا عن رجل متزوج يدعى سامي جانكس، هذا الرجل وزوجته أصيبوا في حادث سير، وأصيب سامي بفقدان للذاكرة على المدى القصير، فلا يستطيع خلق ذكريات جديدة لحد أكثر من دقيقتين، فلو مثلًا شاهد فيلمًا فيجد نفسه مشوشًا لا يدري كيف بدأ ومنذ متى يشاهده، فيفضل على هذا مشاهدة الإعلانات التجارية التي تعرض لدقيقة أو نحو ويستطيع فهمها. القصة تتناول كيف زوجته تتعامل مع زوجها المريض، فتتصل بشركة التأمين حتى تتكفل بعلاج سامي، فترسل الشركة محققًا حتى يتأكد من عدم خلو القضية من احتيال من جانب سامي وزوجته للحصول على مال التأمين.. ويكون المحقق هو ليونارد شيلبي نفسه. فيحقق ليني مع سامي ويحاول معرفة صدقه من تزييفه لواقع أنه مصاب بهذا المرض، فيجلس معه ويتحدث؛ لكنه يجد أن أمر ما غير صائب بشأنه، فيطلب أن يجروا عليه اختبارات لتحدد ما إن كانت مشكلته فعلا جسدية جراء الحادث أم نفسية. فيجروا عليه اختبارات ليختبروا غريزته بحكم أنه لا يستطيع تذكر شيء، فيضعوا عدة أشكال على طاولة وأحدها تكون مكهربة ويطلبون منه التقاطها، ودائمًا يصيب بالشكل الذي يكهربه، فيكررون العملية مرات ومرات ولا ينفك سامي أن يتكهرب من نفس الشكل كل مرة، الهدف من هذا هو أن يستخدم غريزته بمعرفة أن هذا الشكل لا يؤذيه، ويطبق مبدأ التعود أن هذا الشكل بالذات سيؤذيه فلذا عليه تجنبه، لكن لم يفلح ذلك. لذا قرر ليني المحقق أن يغلق القضية والحكم أن سامي كان يدعي المرض وأن هذه مشكلة نفسية لا يغطيها التأمين.

هذه القصة في الحقيقة هي من تأليف وإخراج وأداء هذا المسكين ليونارد شيلبي. حتى يجتاز واقع أنه هو سامي في هذه القصة، هو متزوج من امرأة تحاول التعايش معه، لكن زوجته تريد أن تصدق أنه يدعي، فهي موقنة أن خطب ما أصيب زوجها، فهو يحتاج للعلاج حالًا، لكن ربما لو لامست وتر حساس وهو خوفه وحبه لها فلعله يفيق، فتقوم باختباره بنفسها في بيتهم. وتطلب منه حقنها بدوائها الأنسولين لأنها مصابة بداء السكري، وحتى قبل الحادثة كانت تدع زوجها يحقنها بإبر الإنسولين، فهو يتذكر عمل هذا حتى بعد الحادثة لأنه يتذكر فعل كل شيء قبل الحادثة حتى لو كانت صعبة وتتطلب للتركيز، فالمشكلة مجددًا بالذكريات الجديدة. فتخبر سامي أنه حان موعد الحقنة، فيفعل ذلك. ثم تغير بالساعة للوراء وتخبره مرة أخرى بعد مرور دقيقتين أنه حان موعد الحقنة، فإذا به يوافق ويجلب الحقنة مجددًا ويحقنها، ويكرر العملية مرات حتى تدخل في غيبوبة وتفارق الحياة نتيجة الإنسولين الزائد. كانت موقنة أن زوجها مصاب فعلًا، لكن لو نظرت إلى عيناه مباشرة فتجد نفس الشخص الذي أحبته وكأنه لم يتغير. فتحاول بعملية الحقن أن توقظه من غفوته وهذيانه، لكن هذا لم يفلح. فسامي مسكين فعلا لا يستطيع اليقظة من غفوته وتخطي إعاقته هذه، فكانت النتيجة وفاة زوجته ودخول المسكين سامي إلى المصحة.

memento

في الحقيقة سامي شخص حقيقي ليس كله من اختراع ليني، لكنه شخص مجنون في مصحة، ليس له زوجة، لذا ليني هو سامي جانكس الحقيقي الذي قتل زوجته بحقنها بالإنسولين مرات ومرات. قد يتبادر بذهنك سؤال، لماذا يخترع ليني هذه القصة؟ حسنًا، الإجابة بالإقتباس التالي من ليني نفسه: ’’هل أكذب على نفسي لأكون سعيدًا؟ نعم أكذب.‘‘

ليني المسكين فقد زوجته، لكن هو السبب، فهي نجت من عملية الاغتصاب، لكنه يختلق قصة سامي جانكس ليخدع نفسه ويحاول أن تكون لحياته بعدها لها معنى.. أن ينتقم لها ويقتل قاتلها الذي لا وجود له. يكذب على نفسه، حتى يكون سعيدًا.. فيستخدم هذا الغطاء ليواصل حياته متمسكا بذكرى سامي جانكس، الذي أصبح هو مثله لكن أفضل بكثير، فخلق لنفسه نظام مقدس، أوشام على جسده، صور وملاحظات عليها، يكتب على الجسد والصور حتى يتدارك حياته، فربما قد يكتب على صورته أنه رئيس دولة، فيصدق ذلك… وهنا أتى استغلال الشخصيات “تيدي” و “ناتالي” لحالة المسكين المستعصية وبدأوا بمصادقته محاولين جعله يصدق ما يقولونه بتدوين أكاذيبهم على صورهم. تيدي محقق حقيقي، حقق في قضية وفاة زوجته، وكان هو الوحيد الذي صدق حالة المسكين وجعله يصدق أن زوجته ماتت جراء الاغتصاب التي نجت منه، فساعده بتعقب ذاك المغتصب وقتله ليسعد ليني ويجعله لا ينسى انتقامه المزيف لوفاة زوجته الذي كان هو سببها. لكن هذا لم يفلح مع ليني، فقتل المغتصب وأخذ تيدي له صورة ليتذكر هذه الحادثة ويسعد أن حياته لها هدف وقد حققه، لكن ليني نسى ذلك تمامًا وكأنه لم يحدث، لذا قال تيدي لنفسه “لمَ لا أستغل حالته بقتل أشخاص مجرمين واستفادة من أموالهم؟” فليني لن يتذكر أنه قتلهم! لذا بدأ تيدي بخلق قصص وألغاز حتى يستطيع ليني التعايش مع نفسه ويجعل لحياته البائسة معنى.. فيبدأ يعطيه معلومات عن قاتل زوجته، الذي لا وجود له، ومعلومات من هنا وهناك… ويرتحل معه من مدينة لأخرى ويقبض المال معه من أشخاص سيئين بعد قتلهم والقضاء عليهم، لكن لا يأخذ لهم صور لكي لا يتذكر ما حدث.. فمن سيتأذى حقًّا؟ ليني لن يتذكر، تيدي لم يقتل أحدًا. لكنهم يحصلون على أموال المجرمين ويتقاسموهم. “Win-Win” هذه كانت فكرة تيدي الأساسية. ليني يخلق لنفسه أكاذيب حتى ينسى ما حصل ويزور تفاصيل معينة لكي يكذب على نفسه. هذا المسكين لا ينفك بالعيش بتعاسة وإدخال نفسه في دوامات لا مفر منها. لكن انتهت هذه الدوامة بقتل تيدي ظلمًا والذي استفتح الفيلم به كأول مشهد.

ناتالي هي الأخرى مستغلة لحالة ليني، لكن لم تكن تريد حقا مساعدته، فهي كاذبة. حبيبةٌ لمروج مخدرات الذي كان تيدي يأخذ أمواله ويتخلص منه بواسطة ليني. لكن ناتالي لا تعرف هذا الجزء، فهناك أشخاص يلاحقون حبيبها يريدون مالهم منه، وهذا المال استحوذ عليه تيدي وليني بعد قتل ليني لحبيب ناتالي. وأخذ سيارته ولباسه، لذا ناتالي تستغل ليني وتحاول القضاء على الذي يلاحقونها ويلاحقون حبيبها بغية المال. فتجعل ليني يقتل القاتل المأجور الذي أرسل لقتل حبيب ناتالي لأنه فرط بالمال، فيحسبون ليني الذي أخذ سيارة ورداء حبيبها أنه هو، لكن ليني استطاع القضاء على هذا القاتل المأجور وهو بظنه أنه شخص ما ألحق الأذى بناتالي وهي كذبه اختلقتها هي لتجعله يقتل هذا الرجل لأجلها.  فتتلاعبان هاتان الشخصيتان بليني كالدمية، وينصاع لكل أمر يقولونه، ويستمر بخداع نفسه سواء من تلقاء ذاته أم من هذان المستغلان.

يختم الفيلم باقتباس عظيم من ليني وهو يقود سيارته : ’’علي أن أؤمن أن هناك عالم خارج عقلي، أريد أن أؤمن أن أفعالي لا تزال لها معنى، حتى لو كنت لا أتذكرهم. علي أن أؤمن أنه عندما أغلق عيناي فالعالم لا يزال موجودًا، فهل سأؤمن أن العالم لا يزال موجودًا؟ هل ما زال موجودًا؟! نعم… فجميعنا نحتاج لمرايا لتذكرنا بهوياتنا، فأنا لست مختلفًا – يضغط على المكابح فجأة – الآن، أين كنت؟‘‘.