التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

أذكر مرة وأنا أقرأ لأحدى المقالات السينمائية, أحد الكتاب وصف عملية صناعة الفيلم السينمائي بعملية يتم فيها خلط المشاعر والأحاسيس مع عناصر مختلفة تخدم السينما الحية, تختلف طبيعتها بحسب المادة المرغوبة بالفيلم فبعضها فنية وبعضها تنفيذية تقنية, المخرج هو الطاهي الذي يشرف عليها, والمؤلف هو المورِّد لتلك الخامات الأساسية, أما الممثل فهي أداة خلط تلك العناصر, فبدون المؤلف لن تستطيع تقديم تلك الخلطة حتى وان كان الطاهي (المخرج) يملك الخبرة الكافية بالاخراج ويستطيع تقديمها بأعلى جودة ممكنة, أيضاً من دون الممثل (أداة الخلط) لن تسطيع تقديم تلك العناصر وخلطها مع بعضها البعض فهو الوسيلة الوحيدة للتعبير وتجسيد لتلك الحوارات والنصوص المذكورة غالباً, لا أعني من هذه المقدمة الطويلة كمالية الأفلام تشمل هذه الأصناف بكامل عطائها انما الفيلم السينمائي ينجح بجعل تلك الأصناف في غاية الكفأة وربطها معاً بمشبكٍ واحد وهي (الفكرة المضمونة بوصفٍ عميق ملموس لدى المشاهد).

“ربما تتعارض أخلاقي مع هذا, غير أنه من خلال تجاربي الخاصة، وملاحظتي لنفسي وللآخرين، أصبحت مقتنعاً بأن الحياة الجنسية هي المركز الذي يدور حوله مجمل الحياة الاجتماعية، وكذلك الحياة الداخلية للفرد”. هكذا وصف “فيلهلم رايش” المحلل النفسي والفيلسوف النمساوي وباحث في عالم الجنس والاجتماع الحالة النفسية للشخص الذي يملك غريزة وثورة جنسية على غير العادة في مجمل تصرفاته بهذه الحياة وبين الأخرين وكيف تؤثر عليه بشكل فوري وفارق مما يجعله في حالة هيجان وعدم استقرار نفسي.

أطلت الحديث في المقدمة بذكر تلك الخصائص والتوضيحات لأن المخرج البريطاني ستيفن ماكوين هنا تجاوز الحدود بتقديم فيلم بالغ عميق عن رجل استهوى اللذة ووقع في حفرة مدمني الجنس بشتى الطرق والمحاولات. قد تجد هذا الفيلم ايباحي بعض الشيء بحكم تصويره لتصرفات وايحاءات وحركات تظهر لك الصراع النفسي بين الواقع المنصرم وبين العقل المنجذب لتلك الشهوات لكن خلف تلك اللقطات مغزى ومعنى ايضاحي عن الحالة النفسية التي يعيشها الشخصية البطلة براندون (مايكل فاسبندر) وكيف يفقد اتزانه النفسي والجسدي بغياب أحد تلك المقومات للشهوة الجنسية مع انخراطه بحالة اندفعت واخترقت حياته فاصبح مقيداً غير متزن فاقداً حياته المثالية الفاخرة كما وضحها ستيفن ماكواين في البداية بمشهد الشقة الفارهة بأحد تلك المباني العالية مع وسامة وجاذبية براندون للنساء ووظيفته الراقية مع مديره الساذج.

لا شك بأن ممارسة العادات الجنسية التخيلية الشاذة للفطرة الطبيعية للإنسان مرفوضة ومنبوذة بمجتمعنا مما يضطر للمدمن عليها بممارستها خفيةً ملتجأً في الغالب للعزلة والوحدة للتكيف مع تلك الظروف جيداً, حالها كحال المخدرات وتعاطيها مثلاً, هنا براندون الشخصية الوسيمة والراقية في ذلك المجتمع الفاخر يعيش حياته ما بين الرياضة والاجتماعات والسهرات الليلة متكيفاً مع تلك الشهوة المولعة بالجنس بأريحية وبسهولة لكن يحصل لهذا الشخص المدمن حدثين يخترقا الخط الزمني بحياته الروتينية مما يجد نفسه فاقداً التوازن بحياته الافتراضية والواقعية يجد الصعوبة بالتفاعل والتكيف مع الاخرين ومع من حوله, فجهاز الحاسب الخاص به يتم أرساله الى الصيانه لمعالجة مشكلة الفيروسات, بينما في الحقيقية هذا الجهاز كان وسيلته الوحيدة للاستثارة الجنسية في العمل وممارسة العادة الجنسية هناك, هو في غياب جهازه الحاسوبي يجد الصعوبة بممارسة تلك العادات معتمداً على التخيل والصور والمشاهد الافتراضية, ومن ناحية أخرى قدوم شقيقته سيسي (كاري موليجان) وهي مغنية أتت لنيويورك لزيارة أخيها (براندون) لعدة أيام في المنزل, هي كانت بمثابة عائق له في ذلك المنزل حيث يجد الصعوبة بممارسة شهواته وعاداته الجنسية المعتادة بشكل فوري وسهل, هو يجد الصعوبة باحضار تلك العاهرات للمنزل أو تشغيل تلك المواقع الإباحية في المنزل, براندون أصبح يعاني من ثقل بالتكيف مع من حوله وفقد الاتزان بتصرفاته مع تلك الغريزة والشهوة الجامحة التي يمتلكها فقد أصبح يرى شقيقته سيسي التي أشتاقت له بأنها العائق بحياته الجنسية الافتراضية يجدها عالة وحجرة في طريقه الجنسي البشع, هو وصل به الحال من ان كان رجلاً يستطيع أن يمارس الجنس مع أي امرأة في هذا العالم كتلك التي فشل مديره الثرثار بالتعرف عليها أو أخذ رقمها في أحد تلك الليالي في بداية الجزء الأول من الفيلم الى أن أصبح رجلاً عاجزاً عن ممارسة الجنس مع زميلته في العمل بسبب كونه مدمناً للجنس التخيلي الشهواني وليس ذاك الجنس (الميكانيكيا) الذي يكمن في داخله الحب والعناق مع كثرة العشق والأحضان والانجذاب. انما الحالة التي يعاني منها براندون تدعى بالمصطلح العلمي (ايروتيكيا) وهي اشباع النفس من رغبات جنسية وشهوات بأي شكلٍ من الأشكال وبأي وسيلة, هي تخلو من المشاعر والأحاسيس أثناء تلك العلاقة أو الممارسة, هي بالصورة الأعم تدعى بالإدمان الجنسي المفرط.  براندون عاش خيبة الأمل وفقد لذة حياته المثالية بعد تلك  الظروف التي تطرأت لحياته من غير سابق أنذار فأصبح يجد الصعوبة والمعاناة بتفريغ تلك الطاقة والشهوة المفرطة بأريحية وسهولة. يضع اللوم على شقيقته التي تنهار أمامه ويعاملها بقسوة بسبب عدم قدرته لممارسة تلك الشهوات, كونها عائقاً يمنعه ويحرمه من لذة تلك الغريزة والشهوة في المنزل.

في مشهدٍ قاسي على العقل والتصور, براندون يذهب لممارسة الجنس مع من يلقبون بالمثليّين أو الجنس الثالث ثم يذهب لممارسة الجنس مع صديقاته تاركاً شقيقته المنهارة والتي تحتاج اليه على شفا الانتحار بمنزله, ظاناً هو بهذه الطريقة سيتخلص من هذا الشعور وتلك الشهوات التي تلاحقه أينما ذهب وأستقر. براندون في هذا الفيلم يقف في تلك الشوارع الممطرة وعلى حافة الأرصفة ينظر لمن حوله وينظر لنفسه وعلى حالته كيف تدهورت وكيف صنعت منه الوحدة من شخص طبيعي اجتماعي مع الاخرين الى شخص جائع منهار ومستسلم لتلك الشهوة الجنسية التي تزيد جرحه كل يوم ألماً وحزناً له ولأحبابه.

ما ذكرناه من مقدمة بالأعلى أستطاع ستيفن ماكوين تنفيذه بأدق التفاصيل, حيث قدم لك المادة التوعوية بمثال حي لأحد  الشخصيات التي قد نجدها تنعم بالرفاهية والمزايا التي لا تتوافر عند البعض منا, حيث صور لك مدينة نيويورك وبراندون يمارس رياضته ويتنقل بين شوارعها وفنادقها الفاخرة وبين زحمة الناس والسيارات بشكل عميق وضّح من خلالها العلاقات العاطفية في تلك المدينة الجافة التي تفتقر للمشاعر والأحاسيس بين الطرفين. ومن ناحية أخرى أستخدامه (فاسبندر) لتجسيد دور تلك الشخصية المصابة بانفصام جنسي مفرط أختلطت فيه المشاعر والصعوبات النفسية من صراع ورغبات متأججة تتمحور حول تلك الشهوة. ربما يعيب هذا الفيلم الفئة العمرية لمشاهدته لكنه يحمل في طياته معنى رزين وبليغ لكلمة العار وتأنيب الضمير خلف تلك الثورة الجنسية المتأججة. أنهي كلامي باقتباس أعجبني من الفيلم قد يكون بنظري هو السبب الأول والأخير بهذا البلاء المفرط :- (مشكلتنا هي أننا ولدنا في المكان الخطأ).