التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

قليلة هي الأفلام التي تضعنا في مواجهة مع الوحدة التي يعانيها إنسان يتألم و الحاجة الغامضة التي تدفعه للمقاومة و في نفس الوقت إلى الاستسلام. المخرج الفرنسي “جاك أوديار” يحاول أن يمرر في فلم Rust and Bone تجربة شعورية عميقة لشخصتين متناقضتين في معظم الأشياء لكن يجمعهما محاولتهما لانتشلال نفسيهما من الألم.

ألان فان فيرش ملاكم سابق ينتقل إلى جنوب فرنسامع ابنه الصغير سام ليعيش في منزل شقيقته  و يحاول جاهداً الحصول على عمل يؤمن فيها حياة له ولابنه الذي لم يعرف بعد كيف يكون مسؤولاً عنه لكنه مستعد أن يفعل المستحل مقابل تأمين احتياجاته اليومية فيخاطر بنفسه و يسرق لئلا يواجه شعوره بالضعف اتجاه جميع المسؤوليات التي فرضت نفسها عليه.

ستيفاني امرأة تبدو أنها تنسجم مع الدلافين أكثر من البشر  تقوم بوظيفة تدريب  الدلافين وتقديم عروض خطيرة مع فريقها. تلتقي ستيفاني بآلان لأول مرة حين حصل الأخير على وظيفة حارس في ملهى الليلي . تدخل ستيفاني في مشاجرة مع أحد الأشخاص في الملهى ثم تلتقي بآلان الذي لا يشبه كل الرجال الذين التقت بهم ويبدو لقائهما الغريب كأنه لقاء عشوائي لم يقدر له أن تتلوه لقاءات أخرى.

أثناء عرض من عروض الدلافين  التي تقدمها ستيفاني تتعرض لاصابة عميقة في قدميها تغير حياتها إلى الأبد وتعيش صراعات مع ذاتها لتجد معنى يدفعها لأن تواصل حياتها. في الوقت نفسه تجمعها هذه الحادثة المأساوية بآلان من جديد الذي يتميز عن الجميع بقدرته أن يكسر حاجز الوحدة و الضعف كما لو أنه يعاني الألم نفسه لكن بشكل آخر.

في هذه القصة التي تتقاطع فيها شخصتين يحاول كل منهما أن يختبر معاناة الآخر في خضم الألم، نجد الكثير من التفاصيل التي تجعل من هذا الفلم رحلة تأملية إلى ضعف الإنسان الذي ينعكس حتى على العالم الذي يعيش فيه، فعندما تسقط ستيفاني في الماء بعد اصابتها نستطيع أن نشعر بعمق العجز من خلال تفاصيل مشهد الغرق كأنما يجردها هذا الحادث من الشخص الذي كانت عليه لتولد من جديد من نفس المأساة التي جعلتها توشك على الموت.

 أكثر ما يميز الفلم هي تلك الشاعرية التي ترتبط بأكثر مشاهده سوداوية مثل المشهد الذي عادت فيه ستيفاني إلى مكان عملها بعد الإصابة و أخذت تتواصل مع أحد الدلافين بالاشارة كأنه هو الكائن الوحيد الذي يستطيع أن يشعر بصدق بالجزء الذي فقدته من جسدها وفي الوقت نفسه هو آخر ما يربطها بأسلوب حياتها القديم.

بالاضافة إلى البناء العميق للعلاقة المميزة التي تجسد شعوراً أعمق من الحب  فبعد أن يلتقي آلان بستيفاني بعد إصابتها يأخذها إلى الشمس إلى السباحة و البحر  إلى كل ما يشبه حياتها الطبيعية السابقة بشكل يجعلها بأمس الحاجة إلى ما ينتشلها من شعورها بالعجز اتجاه اصابتها الجسدية بينما يتخبط آلان في عجزه عن السيطرة على حياته و مسؤولياته ليجد نفسه في النهاية أكثر حاجةً إلى مساعدتها منها.

كذلك الأداء المؤثر للشخصيات الذي قام به كلٌ من “لماثيوس شوانيرتس” في دور (آلان) و النجمة “ماريون كوتيار” في دور (ستيفاني)

أخيراً  Rust and Bone فلم جميل في مناقشته الواقعية لأحد أكثر حالات الإنسان هشاشة من خلال شخصيتين قدمهما لنا بشكل بسيط وثري في نفس الوقت.