التسجيل

كلمة المرور سوف ترسل الى بريدك الألكترونى.

the_tree_of_life_movie_poster_01

عندما كانت السينما الاسيوية والاوروبية في اشد تألقها , اخذ تيرينس ماليك بيد السينما الامريكية وقادها للمقدمة واستعاد هيبتها و رونقها عندما صنع فيلمه (شجرة الحياة) , الفيلم المثير للجدل الحائز على السعفة الذهبية في مهرجان كان السينمائي.

الفيلم من اخراج وسيناريو العظيم تيرينس ماليك ومن بطولة براد بيت و جسيكا تشاستاين وشون بين والموسيقى التصويرية كانت من الكسندر دسبلات.
يتعين علي الاعتراف بأن “شجرة الحياة” من الأفلام التي يطلق عليها البعض “أفلاما صعبة” أي مركبة في بنائها ودلالاتها، فليس من الممكن قراءة واستيعاب كل ما تتضمنه من معالم وإشارات، من المستوى الأولى الخارجي، بل لابد من الغوص قليلا في أعماقها لكي يتمكن المشاهد من الاستمتاع بها. هذا الفيلم لايمكنك الاحاطة بدلالاته ومعانيه وصوره من مشاهدة واحدة بل يجب ان تشاهده اكثر من مرة لانه يصعب تفكيكه بصريا من المشاهد الاولى , هذا الفيلم فريد محرضاً للتفكير وليست مجرد أداة للمتعة او للتسلية.

تيرينس ماليك كما هو معروف عنه لا يخضع للمواصفات السائدة التي تفرضها ستديوهات هوليوود على المخرجين الأمريكيين وغير الأمريكيين في العمل، بل يعبر عن رؤيته الخاصة للعالم، من خلال إعادة تشكيل الأدوات التي يستخدمها في التعبير عن تلك الرؤية.

فيلم (شجرة الحياة) جريء جدا يعادل فيلم ( 2001: اوديسا الفضاء) لمخرج ستانلي كوبريك من ناحية ابتكار اسلوب الإخراج, و غرابة في التصوير, تتخلل فيه بشكل سريع عدة الصور المجازية و التخيلات تترك انطباعا, و يميل إلى اسلوب افلام وثائقية, و تجريدي لا يعتمد كثيرا على حوارات الشخوص لغرض توكيد على مغزى الفيلم. الجدير بالذكر هو ان اللقطات السيريالية في الفيلم نفذها خبير المؤثرات البصرية دوجلاس ترومبل وهو نفسه من استخدمه كوبريك في تحفته اوديسا الفضاء.

مااعجبني جدا هو بداية الفيلم، عندما اخذنا تيرينس ماليك في رحلة سيريالية تتشكل الرؤى فيها من لقطات عديدة تتشابك وتتعاقب في تشكيلات لونية مذهلة، شديدة الجمال، تمتزج بالموسيقى الكلاسيكية, اخذنا الى الفضاء حيث هناك يصبح العقل البشري في اضعف صوره , تذهب بنا البداية إلى فقرة فيلم وثائقية عن امور خلق و تشكل الكون, و من ضمنه مجرة درب التبانة و النظام الشمسي, مصحوب بأصوات التساؤلات العديدة عن الوجودية, و على كوكب الأرض تشكلت حديثا, فبدأت النشاط تدب بها من خلال انفجار براكينها. فظهرت المسطحات المائية, و بدأت الميكروبات تتشكل, ثم ظهرت اليابسة تنمو عليها النباتات الخضراء, ثم خُلقت الديناصورات…الخ, ثم ارتطام النيزك على الكوكب, ثم خاتمة في الزمن الحاضر حيث ينتهي المشهد بشجرة كبيرة العمر. .. إنها عودة إلى أصل الحياة، أصل الكون، الوجود: ما الذي يجعله يستمر، ما معنى الحياة نفسها، كيف يستمر الإنسان رغم الموت، ما الذي يمكن أن يسلب الإنسان الحياة. تساؤلات غير مباشرة تدور تحت جلد الصور دون أن ترتبط بالضرروة ارتباطا “دراميا” بمسار الفيلم.

بعد مشاهتك للفيلم سوف تعترف في الأمل، وتعترف بالجمال والبهجة في كل شيء، في كل يوم وقبل كل شيء في الأسرة، التي هي المدرسة الأولى – المكان الوحيد الذي معظمنا عرف فيه الحقيقة عن العالم وعن أنفسنا، أو اكتشاف أهم درس وحيد في هذه الحياة، الحب الغير أناني بدون شرط.

من البديع أن نجلس لنشاهد ونتأمل كل ذلك السحر الذي يكمن في مشاهد “شجرة الحياة”، نرتد إلى أصل الخلق، وأصل الحياة، نحاول أن نفهم سر وجودنا ووجود الكون والعالم، لكن الأهم في رأيي، ولعله من أهم ما نخرج به من هذا الفيلم الكبير، أننا نخرج ونحن أكثر حبا للطبيعة ولجمال الحياة، وأكثر تقديرا وحبا للخالق العظيم الذي صنع كل هذا الجمال في الكون، وكل ذلك التوازن، في الحياة، وفي الفن أيضا!