كيف تشاهد فيلما مع روجر؟

4

“يقال أن الدماغ البشري يقسم وظائفه على قسمين، القسم الأيمن مخصص للانطباعات المحسوسة مثل العواطف والألوان والموسيقى .. والقسم الأيسر يتعامل مع الأفكار والنظريات المجردة كالمنطق والفلسفة و التحليلات، وتعريفي للفيلم الرائع هو: الفيلم الذي يخاطب ويشغل عقلك الأيمن أثناء مشاهدته، وبعد انتهاءه يخاطب ويشغل عقلك الأيسر”.

تبدو هذه نظرة تقييمية جيدة من الناقد السينمائي الأشهر حاليا “روجر ايبرت” الكاتب في جريدة شيكاغو صن تايمز والذي يعمل محاضرا في جامعة شيكاغو وأستاذاً مساعداً في جامعة الينوي وبجانب تأليفه عددا كبيرا من الكتب تتجاوز الخمسة عشر كتابا فهو الناقد السينمائي الوحيد الحاصل على جائزة بولتزر.

وإذا كان روجر من أكثر النقاد الذين يتطلع إليهم الجمهور السينمائي مع كل نهاية سنة للوقوف على اختياراتهم وقوائمهم السينمائية فإن هذا سيكون انعكاسا إيجابيا في نفس الوقت لأراءه ووصاياه حول مشاهدة الأفلام بشكل عام، فهو يعتقد كما يقول أن الحياة قصيرة ولايمكن أن تهدر ساعتين في مشاهدة فيلم يتبين لك لاحقا أنه لايستحق كل هذا الوقت، ولذا فهو يؤكد على عدم الثقة بالاعلان الدعائي للفيلم وعلى قراءة المراجعة المناسبة للفيلم. وهذا بطبيعة الحال ينقلنا إلى نقطة أخرى .. ماهي المراجعة التي ستفيدني؟ ومن الناقد الذي يمكن أن يكون رأيه محل ثقة وفائدة لدي؟ هنا يروي روجر أمرا طريفا حيث يقول: “الناقد الجيد يجب أن يقدم صورة واضحة عن فكرة الفيلم من أجل أن تقرر ما اذا كنت تريد مشاهدة الفيلم ام لا. مرة تلقيت مكالمة من قارئ سألني عن رأيي في فيلم Cries And Whispers فقلت له أني أعتقد أنه أفضل فيلم في تلك السنة (بدون أن أتكلم عن الفيلم). فقال: أوه، شكرا، لا يبدوا أنه شيئا نريد مشاهدته” .. ثم يضيف حول عملية اختيار كاتب مراجعات مناسب:  “بما أنك لن تحضر 9 من كل 10 أفلام تقرأ عنها، فابحث عن شخص تستحق مراجعاته القراءة بحد ذاتها (بدون مشاهدة الفيلم حتى). ابحث عن كاتبك في أسلوب الكتابة، في التنظير، في الملاحظات على الفيلم. لا تبحث أبدا عن ناقد موضوعي (غير متحيز)، النقد كله ذاتي (متعلق بالرأي الشخصي). استلمت رسالة مرة من أحد القراء يطلب مني أن أحتفظ بآرائي الشخصية بعيدا عن مراجعاتي، فأرسلت إليه ردا أطلب منه فيه أن يحتفظ بآراءه الشخصية هو بعيدا عن رسائله”.

 وفيما يتعلق بجانب مهم في الأفلام لطالما واجهني شخصيا السؤال حوله من الأصدقاء وحتى بعض المثقفين والمهتمين بالرواية بشكل خاص عن تلك الروايات التي  تحولت الى أفلام  ومدى قيمة هذه الأفلام والتزامها بجانب الرواية الأصل؟ حيث يمكنني هنا الإستعانة برأي روجر نفسه حيث يقول: “إذا كنت سبق وقرأت الكتاب أو الرواية قبل مشاهدة الفيلم فتذكر أن مهمة المخرج هنا هي أن يخرج فيلما جميلا. لا أن يكون مخلصا للكتاب وملتزما به، وإذا كنت لم تقرأ الكتاب أوالرواية فغالبا لن يكون هناك متسع من الوقت لقراءة الكتاب الآن، قبل خروج الفيلم من الصالات، لذا اذهب وشاهد الفيلم الآن. وعن نفسي كناقد، أستمتع بالمشاهدة عندما أكون لم أقرأ الرواية. لأن مهمتي هي تقييم الفيلم وليس مدى جودة تحويل الرواية الى فيلم .. أما إذا كنت قد استمتعت بالفيلم حقا وتفكر في قراءة الرواية الآن، فتذكر قاعدة هوليوود التي تقول : كثير من الكتب السيئة تصنع أفلاما رائعة، ولكن أغلب الكتب الرائعة تصنع أفلاما سيئة”.

والآن فإن كل ما مضى يمكن اعتباره في مرحلة اختيار الفيلم وماقبل المشاهدة، ولذا فإن وصايا روجر تمتد أيضا للحديث حول المشاهدة ذاتها ومالذي نريد التركيز عليه عند مشاهدة فيلم ما حيث يقول بشكل موجز وبنوع من النظرة التعميمية: “لقطات الفيلم تنفذ بحيث يقتنع المخرج أن رؤيته للمشهد قد تحققت وسجلت على الفيلم. أشياء قليلة تظهر على الشاشة بالصدفة وبدون تخطيط من المخرج. كل حركة للكاميرا وكل حركة داخل الصورة لها مغزى معين. شاهد الفيلم مرة ثانية وثالثة، واسأل نفسك، لماذا صورت كل لقطة منه بهذا الشكل؟ .. لماذا لقطة مقربه هنا؟ ولماذا استخدمت لقطتان هناك؟  الإجابة عادةً ليست مخفية أو صعبة الاكتشاف وليست ذات معنى خاص بشخص معين (غالبا)، بل مبنية على إدراك ووعي عام وشائع. على سبيل المثال مشهد في حفلة، قد يبدأ بلقطة عامة للضيوف، ثم قطع إلى لقطة أقرب لضيفين منهمكين في المحادثة، ثم قطع إلى لقطة صغيرة (قريبة) لضيف ثالث يلاحظ أنهما يتحدثان”.

وأما فيما يتعلق بمرحلة مابعد المشاهدة فإن روجر هنا يبدي رأيا جميلا يبدو شيئا ممارساً لدى الغالبية منا حين يقول: “كل الأفلام الجيدة تتسبب بنقاشات، وإعادة طرح قضايا وأفكار بشكل جديد. أغلب ما تعلمته عن الأفلام ورد خلال مناقشات مع الأشخاص الذين شاهدتها معهم. (قائمة شندلر/ Schindler’s List) على سبيل المثال قد أحيى نقاشات مطولة عديدة. و (صمت الحملان/The Silence of the Lambs) كان مليء بالتفاصيل التي كتبت عنها مقالا استعرضت فيه أكثر من 25 سرا من أسرار الفيلم كلها مستمدة من النقاشات حول الفيلم. وأفلام مثل (البيانو/The Piano) الذي أثّر في بعض المشاهدين وسبب إحباطا للبعض الآخر، حضي بنقاشات ومجادلات عديدة بمجرد نهاية الفيلم واثناء خروج الناس من الصالات”.

ويمكن أن أضيف أيضا أن تلك الأفلام الجيدة بمشاهدها الأخاذة وشخصياتها المعقدة وأحداثها الغريبة أو الطريفة ستظل محل حديث لسنوات طويلة حتى تغدو في بعض الأحيان كنوع من الذكرى الجميلة يتناولها عشاق الفيلم ومعجبوه بشيء من الحنين والانتشاء عند الحديث عنها، وتحفّز في أحيان كثيرة الى العودة مرة أخرى من أجل مشاهدة الفيلم أو مشاهد معينة منه. وتحفة سينمائية مثل Amadeus تبدو أنموذجا حاضرا دائما لمثل هذه الحالة.

وفي النهاية يمكننا أن نختم هذه الوصايا السريعة من الناقد الأشهر روجر ايبرت بالوصية الأشهر أيضا عند كثير من النقاد حينما يقول: “وأخيرا إذا أعجبك الفيلم .. اعرف من أخرجه، ثم اذهب و استأجر بعض أفلام المخرج الأخرى .. فمعيار جودة الفيلم هو غالبا المخرج أكثر من كونه الممثل أو جهة الإنتاج”.

4 تعليقات
  1. روان العتيبي يقول

    شكرًا على التقرير الجميل ، يبدو ان وراءه موهبة ! انظر الى الصورة في الأعلى أعجبتني
    كثيرا ، صحيح .. شاهد فيلما ذا معنى !!

  2. زياد يقول

    يعطيك العافيه علي التقرير ,,, تعجبني ارائه عن الأفلام لكنه بطيئ من النادر يقيم الفيلم فور نزوله وأحيانا يقوم بمراجعات لأفلام قديمه أخر مراجعه له لفيلم the pledge 2001 عموما وللفائده هذا الناقدله برنامج خاص بكل مراجعاته للأفلام علي الأيفون مرتبه بالسنوات

  3. عبدالرحمن يقول

    أستفدت كثير من هذه المقالة , خصوصا بالجانب النقدي لأي فيلم نتابعه .
    ولكن أكثر شئ استفدته معرفتي بكاتب وناقد كبير مثل روجر ايبرت !

  4. فهد الرفاعي يقول

    أكثر ما أعجبني في حديث السيد Ebert قوله:”ابحث عن كاتبك في أسلوب الكتابة، في التنظير، في الملاحظات على الفيلم. لا تبحث أبدا عن ناقد موضوعي (غير متحيز)، النقد كله ذاتي” بالنسية لي Richard Roeper هو الناقد الذي أثق فيه بشكل مطلق.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.