Breaking Bad: الموسم 5 الحلقة 15 بعنوان Granite State

8

heisفي تلك اللحظة التي يُكرّمون فيها على إبداعهم في الموسم الماضي، يأبى كتاب وطاقم مسلسلنا هذا إلا أن يواصلوا نثر وإبداعهم وعبقريتهم وبشكل أكثر ممّا مضى في حلقة الأمس والتي صادفت أن تكون في نفس موعد حفل توزيع جوائز الايمي والذي على إثره تم إنصاف المسلسل وفاز بجائزتين من الجوائز الرئيسية وهي أفضل مسلسل درامي وأفضل ممثلة مساندة للممثلة آن قن والتي تقوم بدور سكايلر. تأتي هذه الحلقة المثالية لتأكد لنا وتذكرنا  بأن مسلسل بريكينج باد لم يكن أبداً مسلسل إثارة وجريمة فقط وإنما هو في الأساس دراما عميقة وسوداوية  تحاول دائماً الغوص في عمق شخصية والتر وايت بذاتها، وطريقة بنائها وتحولاتها على مر كل تلك المواسم. وبالتالي كان ولا بد على الكتاب أن يجدوا طريقة ذكية جداً لإعادة ترتيب الفوضى التي خلّقتها الحلقتين الماضيتين وأن يأخذوا مجرى الأحداث إلى محور أكثر هدوئاً وتناسباً مع النهاية.

ربما أحد أكثر وأهم المحاور المركزية والهامة التي دائما يحاول المسلسل أن يلعب على أوتارها كمحور رئيسي وهام هو التناقض في الحكم الصادر من المشاهد عند مشاهدة أفعال واختيارات والتر، فالمشاهد لا ينفك عن سؤال نفسه بعد مشاهدة كل حلقة: إلى أي مدى يصل تعاطفي مع والتر وايت أو إلى أي مدى أدينه وأشجبه؟ فمن بداية المسلسل ونحن نرى سير الأحداث والقصة من خلال وجهة نظر والتر وايت نفسه، هذا الشيء بالذات هو ما يصنع ويخلق تلك الكمية الكبيرة من التناقضات المعقدة والمستمرة في حكم المشاهد على أفعال واختيارات والتر. ففي لحظة ما أنت تشاهد والتر وايت مدرس الكيماء البسيط والأب المحب لعائلته وفي اللحظة الأخرى نرى هايزنبرغ المجرم. وبالتالي تنشأ عند المشاهد كمية كبيرة من المشاعر المتضاربة والأحكام المتناقضة تجاه والتر نفسه، ولذلك وعلى مر كل تلك المواسم لم يستطع كثير من المشاهدين ولو لفترة بسيطة أن يضلوا على حكم واحد على شخصية والتر، فالعاطفة في مشهد ما تسيطر وتذهب مع والتر وايت، والعقل يغلبها ويذهب مع هايزنبرغ في المشهد التالي. وهذا بالضبط ما يجعل بريكينج باد أحد تلك المسلسلات التي تتفنّن في التلاعب بمشاعر وأحاسيس المشاهدين كما فعلها من قبله مسلسسل The Sopranos مع شخصيته الرئيسية توني سوبرانو.

في بداية الحلقة رأينا كيف أن عصابة جاك أخذت خطوات أكثر لتحتل جزء كبير من أحداث هذا الموسم، الآن لا أحد آمن منهم. استطاعوا أن يصلوا إلى سكايلر ويحذرونها من إخبار الشرطة عن ليديا. واستطاعوا أيضا من خلال تود أن يقنعوا ليديا بأن تستمر في التعاون معهم ومساعدتهم بتوزيع الميث. واستطاعوا أيضاً من خلال تود أن يصلوا إلى أندريا ويقتلونها بينما جيسي يشاهد بكل يأس وحسرة. عصابة جاك لم ولن تكن أبداً مجرد عرض لشخصيات شريرة أو  “فيلين” للمسلسل، دخولها في الأحداث كان ولا بد لعرض الجانب الحقيقي والوحشي من بريكنيج باد، نحن تعودنا من بريكينج باد الحبكة والواقعية في كل ما يُقدم. فعالم المخدرات والعصابات لن يكون بهذه السهولة على جيسي أو والتر. هل كان من المعقول فعلا أن يخرج والتر وجيسي سالمين وبدون أي خسائر من هذا العالم؟ هنا لن تكون الحبكة والمصداقية جزءاً من بريكينج باد، وبالتالي كان ولا بد على الكتاب أن يزجّوا بعصابة جاك في اللعبة لتضيف اللمسة الأخيرة في هذه الطبخة المميزة وتُكمّلها بصبغة الواقعية الذي اعتدناها من من بداية المسلسل.

بعد ذلك رأينا مشهد والتر بينما هو يطلب من سول عندما التقى به في قبو الرجل الذي سيساعده على الهروب بأن يمدّه بقائمة طويلة من القتلة المستأجرين حتى يستأجرهم ليقتلوا جاك وعصابته، ولكن سول يقترح عليه يأن يُسلّم نفسه إلى الشرطة وأن ينتظر  في السجن طوال تلك المدة الباقية له قبل موته، لنرى بعدها إصرار والتر على ألا يضيع كل تلك الأموال وأتعابه عليها وأن يحاول أن يُتّم غايته الأساسية وهي أن يعطي كل تلك الأموال إلى عائلته وأن يحاول أن يجد طريقة ما بحيث أن يوصلها لهم ولكن بدون علم الشرطة. وهذا هو هدفه الحالي بالضبط بعد التحولات الحادة في الحلقتين الماضيتين. يصل الرجل الذي سيساعد والتر ليطلب من سول بأن يتجهز للرحيل إلا أن والتر يتدخل ويخبره بأنه لم ينتهي بعد من سول. ثم يصر بعد ذلك سول ويؤكد لوالتر بأن الأمر بينهم انتهى وأنه لم يعد محاميه بعد الآن فالأمر انتهى بالنسبة له، هايزنبرغ يظهر مرة أخرى بتهديده الذي عهدناه سابقا عندما وجه هذه الجملة إلى سول “الأمر ينتهي عندما أقرر أنا متى ينتهي” ولكن هذه المرة المرض يتدخل ويمنعه من تكمله تهديده، ليجيبه سول مرة أخرى ويؤكد بأن الأمر انتهى.

slide_308768_2942916_freeبعد أن استطاع رجل سول أن يقود بوالتر إلى أقصى الشرق وأن يوفرله ذلك الكوخ الخشبي في وسط الثلوج ويجهز له أقل الإحتياجات الإنسانية، سوى أنه لا يحضى بكثير من الترفيه فليس هناك بث تلفزيوني أو انترنت أو هاتف. يبدأ رجل سول بعد ذلك بإخبار والتر خطر الخروج إلى العالم الخارجي ويصرح له أيضا بأنه سوف يقع في قبضة الشرطة مباشرة إذا خرج من هذا المكان،  ويخبره أخيرا بطريقة التواصل بينهم وهي زيارة شهرية يأتي فيها بالأكل والشرب والأخبار أيضا. تمر الأيام والشهور لتأخذنا قفزات زمنية استطعنا فيها أن نرى نمو شعر والتر ولحيته، وفي أحد تلك الزيارات الشهرية يصل فيها رجل سول بالإمدادات والجرائد وصندوق كامل من النظارات الطبية، ويخبره بعد ذلك بأن سكايلر لم تُحاكم بعد وأن الشرطة أحاطت منزله القديم بالسياج الحديدي بعد أن أصبح مكان سياحي ومنزل مُخرّب، ثم يبدأ بعد ذلك في معالجته بالكيماوي مخبراً إياه بأن هذه المرة لن تكون مثل السابقة، في هذا المشهد بالذات نستطيع بأن نرى مرة أخرى والتر وايت في أضعف حالاته وأكثرها انكسارا عندما طلب منه أن يبقى معه لمدة أطول ويذكره بأن أحد المرات التي سيأتي فيها لن يجده حيا وأنه يريد منه يتم هدفه الأساسي وإيصال كل تلك الأموال إلى عائلته ، ليأتي بعد ذلك رد رجل سول بسؤال: “هل ستصدقني إن وعدتك بذلك؟”. فالعزلة الطويلة والابتعاد عن الاتصال البشري قد بدأ تأثيرها فعلا على والتر، إلى جانب هذا التأثير النفسي ومرضه البدني رأيناه بينما هو يستيقض في منتصف الليل  لينزلق منه خاتمه كعلامة على ضعف حالته وخسارته لكثير من وزنه. وبعد مرور الوقت الكافي لأن يقتنع بأنه سيموت وحيدا في هذا الكوخ وبدون أي إنجاز لعائلته أو تحقيق لأي من أهدافه يقرر بأن يقوم بتلك الرحلة، ولكن قبل ذلك تقع عينه على ذلك الصندوق ليبدأ بعدها بملئه بأكبر قدر من المال، وبعكس المرة السابقة عندما تراجع عن الذهاب يتحدى نفسه هذه المرة ويكمل طريقه إلى تلك البلدة التي تبعد قرابة الثمانية أميال. وبعد ذلك يبدأ أحد أفضل مشاهد الحلقة عندما يتصل بوالتر جونيور ويحاول إخباره بخطته بأن يرسل المال عبر صديقه لويس، ليأتي رد جونيور القاسي بالرفض التام لأي صلة معه وتنتهي المكالمة وهو يتمنى له الموت عندما قال: “لما لا تمت فحسب، لما لا تمت”.

والتر على مر المواسم السابقة لم يكن في شيء أكثر وضوحاً مثل وضوحه في هدفه وغايته القصوى وهي الاهتمام بعائلته، ولكن الجانب الهايزنبرغي هو ما يُظهر لنا بشكل غير مباشر أحيانا كيف أن العائلة لم ولن تكن هي الأولوية القصوى لديه، هذه الحلقة جاءت لتؤكد وتثبت بأن العائلة بالنسبة لوالتر هي أولوية ولكنها ليست الأولولية القصوى، كبرياء هايزنبرغ والحفاظ على كرامته هو في الحقيقة الهدف والأولوية القصوى لدى والتر. فإذا أردنا أن نحكم على والتر بعقلانية فجريمته الكبرى لم تكن كذبه على كل من حوله وإفساد حيواتهم، بل هي الكذب على نفسه ومحاولة تبرير أفعاله بالكذب، فالعائلة بالنسبة له هي الشماعة التي كان ولا يزال يعلق عليها جميع أفعاله ويبرر بها كل جرائمه. وعلى عكس رفيقه الآخر في معظم جرائمه، جيسي كان ولا يزال هو الضمير النابض بالحياة، فربما هو من يستحق القليل من التعاطف، لأنه وبكل بساطة وبالرغم ممّا فعله لم يقترف جريمة والتر الكبرى ويكذب على نفسه ويبرر أفعاله وعلى عكس والتر أيضا فهو لا ينسى ما فعله أو على الأقل لا ينسى ما اقترفه بسهولة.

أتى رد والتر جونيور بهذا الشكل القاسي ليكن بمثابة الرفض الأخير له من عائلته ولينهي كل آماله، ويجعله لا يملك أي خيار سوى أن يختار الطريق الآخر ويفعل شيئا يخفف من معانة عائلته، فبتسليمه نفسه للشرطة سيوقف ملاحقة الشرطة لسكايلر، هذا بالتأكيد لن يمسح ما فعله ولن يُرجع الأمور إلى نصابها ولكن سيكون أفضل من فعل لاشيء. ولكن بشكل ساخر ” لا شيء ” اعترضت طريقه مرة أخرى، فبينما هو جالس ينتظر الشرطة وبإذا شريكه السابق في شركة Gray Matter يحاول أن يقطع علاقة شركته بوالتر وأن يمسحه من تاريخها حتى يحافظ على سمعتها. حاولوا أيضاً أن يزيلوا انجازاته في الشركة، أرادوا تهميشه، أرادو جعله صفراً على الشمال، أرادوا جعله رجلاً لم يعد موجوداً. لا يمكن لـ هايزنبرغ أن يسمح بذلك، لا يمكن لـ هايزنبرغ بإزالة اسمه من التاريخ، لايمكن لهايزنبرغ أن يسمح بهدم سمعته وكبريائه. لا يمكن لإرث هايزنبرغ أن يتلاشى هكذا، ولا يمكن لهايزنبرغ أن ينتهي بهذه السهولة.

“Remember my name” “تذكروا اسمي” كانت هي شعار هذا الموسم لتؤكد لنا الآن إتمام تحول والتر وايت ووصوله لنهاية التفاعل الكيميائي وليظهر لنا الآن هايزنبرغ بشكله الكامل.

“تذكروا اسمي” – هايزنبرغ

8 تعليقات
  1. محمد يقول

    كل الحوسة اللي صارت في الحلقات الأخيرة من وجهة نظري سببها جيسي بينكمان وعناده .. خرب بيت والتر وهانك قتل وسول هرب .. كل هذا بسبب السيجارة اللي كان بيدخنها وهو ينتظر الشخص اللي بيهربه .. وتراجع لأنه بينتقم من والتر على تسميم بروك لو ركب السيارة اللي بتهربه .. لشاهدنا ثلاث حلقات مختلفة تماماً عن الحالية .. لكن لا أعتقد أنها ستكون أفضل من حيث الدراما .. آخر حلقتين لعب المخرج فيها بعواطف المشاهدين .. إبداع منقطع النظير أتمنى أن تكون الحلقة الأخيرة نهاية مثالة لهذه التحفة التي لن تتكرر

  2. محمد السبيعي يقول

    شيء كبييييييير يآ خالد شيء كبير <3
    قراءة ولاا أمتع لأحد أمتع وأجمل المسلسلات بالوقت الحالي !

  3. عبيد التميمي يقول

    والتر ضد عصابة كاملة، و أسلحته هي رشاش و زقارة الرايسن.
    What could possibly go wrong? عظيم يا برينكق باد

  4. 3boodafc يقول

    من اجمل ما قرات عن المسلسل .. غيرت نظرتي تجاه الحلقة تماماً

    تحليلك لشخصية والتر في النصف الثاني اسطووووري

  5. Don Rayd يقول

    رائع يا خالد ، اخر مشهد للتاريخ بكل اختصار هايزنبرغ ينهض من جديد في مشهد رائع بعد استسلامه من بعد ما اقفل والتر جونيور السماعه رجع لنا والتر وايت لوهلة ليسلم نفسه للشرطة وينهي الامر وهو في حالة يأس لكن يشاهد التلفزيون صديقه من شركة والذي يقول بالحرف الواحد ” والتر وايت ” الرجل الطيب مات ! ، لينهض هايزنبرغ من جديد في مشهد تاريخي مع موسيقى رائعة ، الاسبوع القادم انا حزين على فراق بريكنق باد ولكن متأمل في فاينل سكارفيسي بمعنى الكلمة !

  6. ابو أنس يقول

    هايزنبيرغ

    رجل شرير بكل ما تحمله الكلمة من معنى …

    كان هدف والتر سامي ” تأمين حياة سعيدة لعائلتة وتوفير ما يكفيهم من المال قبل أن يموت”

    ولكن الوسيلة قذرة .

    لذلك حكم على من حولة بالإعدام وحكم على نفسة بحياة مريرة …

    أبداع منقطع النظير

    ” هدف سامي ووسيلة قذرة “

  7. منصور يقول

    هذا المسلسل الافضل

    في العالم

  8. momo يقول

    مقال جميل ورائع اجاب على كثير من التساؤلات التي كانت تدور في مخيلتي ..

    اعتقد ان اخر مشهد من الحلقه هو اعظم مشهد في تاريخ المسلسل ان لم يكن في تاريخ الدراما ..

    مشهد يشعرك بشخص مثقل بالجروح يرى من يقلل منه ويقول انه انتهى

    كم انا متشوق للحلقه القادمه وحزين بنفس الوقت على انها اخر حلقه من مسلسل عشقته واحببته

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.