إي تي .. زائر من وراء النجوم

0

إليوت على دراجاته وإى تى أمامه يعبران أمام قرص القمر.. لقطه واحده تلخص سحر السينما كله

كم هو غامض ودفين سر سحر هذا الفيلم؟ لم يستطع أحد على مر السنين أن يفسر النجاح الكبير والحب الجارف الذى حظى به فيلم إى تى لدى الجماهير .. لماذا تعاطف الجمهور العريض فى جميع أنحاء العالم مع الكائن الفضائى إى تى؟ هل لنقاؤه وبراءته فى عالم نفتقد فيه البراءة؟ هل لأنه جاء نقيًا ورحل دون أن يتلوث؟ لا شىء مؤكد.

قبل نزول إى تى بثلاثة أعوام كان هناك فيلم ريدلى سكوت الشهير Alien عن الفضائيين شديدي الفتك والتوحش، وهو الفيلم الذى صاغ معظم تصوراتنا عن الكائنات الفضائية والفضاء المجهول وعلمنا كيف نهابه. لكن، كان لدى المخرج المشاغب ستيفن سبيلبرغ رأي أخر .. واستطاع قلب العملة ليتيح لنا الفرصة لنرى وجهها الأخر.

تخطى إي تي مرحلة أن يكون فيلمًا عاديًا وأصبح من الأعمال الأيقونية الراسخة .. وهو بالتأكيد نموذج لفن السينما كما عرفته الثمانينات. من لحظة نزول الفيلم إلى دور العرض، أصبح ظاهرة لم تشهدها قاعات السينما من قبل. وتربع لمدة 15 عاماً كالفيلم صاحب أعلى الإيرادات داخل أمريكا، ولم يكسره سوى إعادة الحرب الواسعة لـحرب الكواكب. حقق الفيلم 360 مليون في أمريكا وحدها وأضاف 40 مليون أخرى عند إعادة عرضه بثلاث سنوات، وحقق عالمياً ما يقارب من 322 مليون دولار.

سبيلبرغ قام بتوجيه الفيلم ببساطة مرعبة، وهو هنا يتقمصه ويستحوذ عليه بالكامل الطفل بداخله. فيخرج لنا الفيلم في منتهى البراءة والرقة والعفوية، يعي جيداً ما يستشعره الأطفال وما يريدون رؤيته وتجسيده على الشاشة. أولاً نجح في تأليف حدوتة تدور أساسًا فى عالم يحكمه الصغار بالكامل ونرى فيه الكبار بأدوار ثانوية جداً.

ثانيًا وفق كثيرًا باختياره لفريق عمل شديد التألق من الأطفال (درو باريمور مثلا التي أدت دورًا يخطف القلوب وبتلقائية مذهلة)، وأيضًا بطل الفيلم الطفل هنري توماس الذي أعطاه سبيلبرج الدور فورًا بعد تجربة الأداء.

هذا ويظل أروع الأشياء هو إى تى نفسه ذو التصميم المبهر من خبير المؤثرات كارلو رامبالدي الذي يحتاج مقال منفصل لنتحدث عنه. فقط نذكر أنه حين سئل رامبالدي بعد ذلك عن كيف جسد كل هذه المشاعر على وجه إي تى، وكيف جعل كائن ميكانيكي بالأساس يمثل بهذه العفوية، قال إنه لم يجد أفضل من عيني العالم الشهير اينشتاين المندهشتين دائمًا، ليجعلهما عيني إي تي.

شئ أخر حفظ للفيلم خصوصيته وهو التصوير البارع والمبتكر للغاية. سبيلبرغ ومصور الفيلم ألين دافيو قاموا بوضع الكاميرا وزوايا التصوير من منظور الصغار، والصغار فقط. أما البالغون فدائمًا ما يظهرون بلقطات تظهر أرجلهم والنصف الأسفل من أجسامهم، دون التركيز على الوجوه قط، وهي الأشياء التي يستطيع أبطاله من الأطفال رؤيتها من أجساد الكبار.

تحكى القصة – كما يعرفها الجميع – عن كائن فضائى صغير قادم من كوكب بعيد، يهبط إلى الأرض هو وأقرانه لجمع عينات نباتية من كوكبنا لدراستها (نلاحظ هنا أنه بدأ بلا أى عنف، فالعينات ليست بشرية أو حيوانية مثلاً) .. تستشعر الأجهزة العلمية عندنا هبوط تلك المركبة الفضائية فيبعثوا بفريق لتقصى الأمر، يسود الذعر بين الكائنات الفضائية التى لا تتعدى كونها هى الأخرى بهيئتها وقصر قامتها أطفال كونية فى الواقع، ويهرب الجميع مخلفين ورائهم واحدًا لم يستطع اللحاق بالمركبة. بعد ذلك يتعرف الكائن الوحيد على أحد الاطفال من لوس أنجلوس ويقيم معه صداقة، وينشأ بين الإثنان ألفة ومحبة تصل إلى مرحلة التوحد الروحى التام .. ويبدأ كلٍ منهما فى الشعور بما يشعر به الأخر .. فيجوع حين يجوع، ويمرض حين يمرض، ويفرح حين يفرح. وتتوطد العلاقة أكثر حتى ترتبط مؤشرات أجسادهم الحيوية ودقات قلوبهم معًا.

هذه الشاعرية الخيالية والروح البرئية التي تغلف الفيلم كانت السبب الرئيسي وراء افتنان الناس في جميع أنحاء العالم بالفيلم على الرغم من بساطته الشديدة، ففى النهاية هو مجرد فيلم أخر من مئات الأفلام التى تناولت موضوع الكائنات الفضائية. لكنه على عكسها جميعًا أعطى المشاهدين بارقة أمل فى هذا الشىء المجهول الذى قد يأتينا من وراء النجوم ولم يخوفهم منه.

وفي واحدة من أكثر غرائب جوائز الأوسكار شهرة، وعلى الرغم من ترشحه لجوائز أفضل فيلم ومخرج وسيناريو وتصوير ومونتاج لم يحصل الفيلم على أى منها, وفاز بجوائز التقنية الثلاثة عن أفضل مؤثرات سمعية ومؤثرات بصرية ومونتاج صوت، بالإضافة إلى جائزة أفضل موسيقى تصويرية لرفيق سبيلبرغ العتيد دائماً چون ويليامز، الذى قدم هنا أحد أروع مقطوعاته التي لا تنمحي بعد سماعها لأول مرة.

بعد عشرين عامًا قدم سبيلبرغ نسخة أخرى من الفيلم  وفيها أضاف بعض المشاهد لم تكن موجودة بالفيلم الأصلي عن طريق الجرافيك، منها مشهد طريف لـإي تى في مغطس حمام ملئ بالماء .. كما قام بتعديل إحدى لقطات الفيلم الأصلي قرب النهاية حيث استبدل بنادق الضباط – عن طريق الكمبيوتر أيضاً – بأجهزة لاسلكي محمول، هذا لأنه رأى أنه من المستبعد أن ترفع الشرطة بنادق في وجه أطفال لم يتجاوزوا العاشرة بعد. هذه التعديلات أضرت بروح الفيلم كثيراً ولم تعجب الجميع، فالكل أحب نسخة 1982 الأصلية بدون تلك الإضافات.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.