Rectify: الموسم 2 الحلقة 3 بعنوان Charlie Darwin

0

960

“أنتِ متأكدة جداً بشأن بعض الأمور يا أمانثا.” – دانيال هولدن

يبدو أن نقطة البداية التي اختارها ريكتفاي لموسمه الحالي والخطوة التي قامت بها قناة Sundance بزيادة حلقات هذا الموسم إلى عشر حلقات هما ما جعل الكتّاب يضطرون لتوسيع نطاق التركيز على خطوط قصصه وشخصياته كما شاهدنا خلال الحلقات الثلاث الأولى من هذا الموسم، الست حلقات الأولى في الموسم الأول استطاعت أن تحتوي كل تلك المشاحنات والتوترات التي نتجت بعد خروج دانيال من السجن، ولكن الذي يجعل تلك الست حلقات بذلك التميز والروعة هو نسبة التركيز المرتفعة التي كانت مُنصبة في حدود عائلة دانيال فقط، لكن ما حدث مع بداية هذا الموسم إلى حلقة هذا الإسبوع هو قيام الكتاب بالخروج قليلا من حدود عائلة دانيال، هذا الخروج كان حتمياً بلا شك، وذلك لأن الحدث الذي صار قبل عشرين عاماً لم تكن حينها آثاره متوقفة على أفراد عائلة دانيال فقط بل وصلت آثاره لمعظم سكان قرية بولي وبالتالي خروج دانيال من السجن لن تتوقف آثاره أيضاً على أفراد عائلته فقط بل ستمتد إلى معظم من شهد تلك الحادثة، وهذا ما يجعل التوسع في عرض بعض القصص كان لازما. المحامي جون لديه قضية من الواضح أنها لا ترتبط بالمسلسل سوى بتشابهها مع قضية دانيال، تيد ومحاولته لتطوير متجر العائلة ، بوبي دين والذي من الواضح لم تتوقف قصته عند هذا الحد هي جميعها من ضمن التوسع الذي اتخذه المسلسل لمحاولة عرض الصورة الأكبر من القصة.

مشاهد دانيال في هذه الحلقة تدل بشكل أكبر عمّا قلته في مقالة الحلقة الثانية وذلك بأن دانيال هو أول شخصيات المسلسل من يريد أن يمضي قدماً ويترك الماضي، عندما أخبر دانيال المأمور داغيت بأن بوبي دين لم يكن الرجل الذي رآه بعد أن ضربه ضرباً مبرحا مع أربعة آخرين لم يكن فعلا ذلك مفاجئاً لأنها كانت الخطوة الأولى لـ دانيال في ترك الماضي، عرفنا عن دانيال بأن أفعاله دائما تتحدث بصوت أعلى من كلماته، ولكن في هذه الحلقة كانت أفعاله وكلماته كلاهما تتحدث بصوت عالي وبوضوح، أفعاله وتصرفاته في هذه الحلقة كانت تدل بشكل واضح عن ما يريده فعلا حاليا، عندما جمع أشياء الماضي ووضعها في القمامة لم يكن ذلك سوى جزء من أفعاله التي تتكلم بصوت أعلى عن رغبته في ترك الماضي والمضي قدما، ولكن ما يجعل كلماته كانت عالية أيضاً في هذه الحلقة هو عندما بدأ أفضل مشاهد الحلقة وجاء حواره مع أمانثا عن سبب عدم إخباره المأمور داغيت عن بوبي دين، يقول لـ أمانثا: “ما الذي سيحدث بعد ذلك يا أمانثا، بوبي دين سيدخل السجن، أمه ستزوره، ثم بعد ذلك ثم أيضا بعد ذلك، متى سينتهي ذلك؟” ثم بعد لحظة من الغضب والحزم: “لقد انتهيت من ذلك، اسمعيني، لقد انتهيت من ذلك”، انتهى من الماضي وأخطائه، انتهى من كل ما يمكن أن يرجعه إلى الخلف برميه في القمامة. مثل تلك المشاهد هي في الحقيقة ما يجعلني معجب بـ ريكتفاي لحد كبير، وهي ما تجعل ريكتفاي مختلف بمشاهده وحواراته الدرامية المميزة، دانيال في هذا المشهد كان يتحدث مع أمانثا وفي نفس الوقت يتحدث مع أمه عن إعادة ترميم المطبخ وفي نفس الوقت وكأنه لا يريد أن يطيل الحديث مع أمانثا ، هو في الحقيقة كان يتحدث مع الماضي وبالتالي كان عليه أن يتحدث للمستقبل حتى يمضي قدما وينسى الماضي، أمانثا كانت تجره للماضي ولكنه يحاول أن يقمع الماضي ولا يطيل الحديث معه واستبداله بالحديث عن المستقبل وإعادة ترميم المطبخ، إلى أن وصلت تلك اللحظة الذي عجز عن قمع هذا الماضي ثم قال: “لقد انتهيت من هذا يا أمانثا” لقد انتهيت من الماضي يا أمانثا. مشهد نهاية الحلقة أيضاً كان بمثابة بداية خطوات دانيال في نسيان الماضي، قيادته للسيارة للأمام وبتلك السرعة هو التعبير المجازي الأخير في هذه الحلقة عن أفعال دانيال التي تتكلم دائما أعلى من كلماته، تعبير عن رغبة دانيال الجارفة بالمضي للمستقبل وترك الماضي.

 بعد هذه الحلقة صار من الصعب توقع خط سير أحداث تيد بعد الذي فعله، رأينا محاولته لإنقاذ متجر أبوه تستمر وذلك عن طريق أخذ قرض من البنك، ويبدو بأن كل ردود الفعل التي يتلقاها تيد هي بمثابة “ليس الآن، ربما لاحقا”، كان رد جانيت عليه بأنها تتفق مع أي شيء يخبره به أبوه بعدما أخبرها عن خطته ليس مرضيا أبدا، كل الذي نستطيع قوله عن تيد حاليا هو بأنه رجل محبط بشأن وضعه في الحياة ويزداد إحباطا يوما بعد يوم، زواجه وتجارته ليست على ما يرام بالإضافة إلى أن دانيال رجع إلى الصورة مرة أخرى. مشهد الأخير في ملعب الغولف حيث دار بينه وبين دانيال أحد أجمل حوارات المسلسل في الموسم الأول كان واضحاً عليه بأنه خسِر الكثير، خسر جزء من نفسه، خسِر لمسة من شخصيته التي كان يعتقد بأنه سيصبح عليها، ولا يزال يخسر بأن يضع الكرة في حفرة الغولف، ليجد نفسه في كل مرة أمام دانيال وفي كل مرة تحت ظل دانيال.

يقال بأن هناك دائما قوى تحاول بأن تعيد تشكيل هويتنا الأصلية كبشر، هذه القوى ربما تكون مشاعر أو أحداث حياتية صادمة أو علاقات سابقة تلاحقنا. ولذلك أحيانا تقاس قوة الشخصية لدى أي شخص من خلال إلى أي حد يستطيع أن يصمد هذا الشخص أمام هذه القوى أو يحاول صدها. تماماً كم يصمد جذع شجرة أمام أعتى الأعاصير. في ريكتفاي نرى الكثير من شخصياته دائما في صراع مستمر مع هذا النوع من القوى، أفكار وأحداث يجدون أنفسهم دائما في صراع معها. عنوان هذه الحلقة “Charlie Darwin” الأغنية التي تعبر كلماتها عن شر الرأسمالية، هي قصة عن الكفاح، قصة عن أهمية استمرار الأمل في هذا العالم الحداثي والذي أصبح فيه تعريف كل شيء منحني على نفسه تماما كأجهزة السيارة عندما وصفها دانيال بصعوبة تعريفها أو التعامل معها كجسم أو شيء محدد وواضح. وبالرغم من أن الحلقة كانت مليئة بأجواء الخوف والتشائم من المستقبل كما بدا واضحاً على أمانثا و أمها في مشاهدهم، إلا أن الأمل والتفائل التي تحمله أغنية تشارلي داروين ظهرا جلياً من خلال دانيال في المشهد الأخير وهو يقود السيارة، وبالرغم من أن مشاهد الفلاش باك التي حضرت في هذه الحلقة تُظهر بأنه لم يكن متفائلا أو آملا عندما قرر أن يخدر نفسه عن طريق حبوب عرضها عليه الدكتور، إلا أنه في المشهد الأخير ومن خلال كلمات الأغنية نستطيع على الأقل أن نشاهده يملك إرادة المحاولة، عندما زاد سرعة السيارة وبدأ يأخذ المنعطفات بسرعة هي تلك المحاولة منه بأن يستيقظ من هذا النوم العميق، بأن يستيقظ من هذا التخدير الذي سيطر عليه لسنوات، بأن يهدم كل تلك الجدران التي بناها حول نفسه بينما كان في السجن ظناً منه بانقطاع الأمل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.