فيلم I, Tonya .. رؤية جديدة لأفلام السيرة الذاتية

0

يصنف فيلم I, Tonya ضمن أفلام الدراما والسيرة الذاتية، وكان له حضوراً كبيراً في موسم الجوائز والفعاليات السينمائية حيث رُشح للعديد من الجوائز وحصد بعضها بالفعل، كما يتوقع النقاد أن يكون له نصيباً مماثلاً من ترشيحات الأوسكار المرتقب الإعلان عنها. الفيلم من إخراج كريج جيلسبي وسيناريو ستيفين روغرز وبطولة مارجوت روبي وسيباستيان ستان وبول والتر هوسر وأليسون غاني.

فيلم I, Tonya

يدور الفيلم حول لاعبة التزلج الأمريكية الشهيرة تونيا هاردينغ والتي شغلت الرأي العام الأمريكي لفترة بالتسعينات بعد إدانتها بتهمة التورط في التعدي على منافساتها، لكن من العوامل التي ميزت الفيلم على مستوى السيناريو أنه لم ينشغل طويلاً بتلك الواقعة الشهيرة ويتخذها مركزاً لأحداثه، بل كان واعياً طوال الوقت أنه يتناول السيرة الذاتية للشخصية بمختلف جوانبها ومراحلها العمرية وبالتالي لم يسمح لواقعة واحدة بأن تشغل مساحة أكبر مما تستحق حتى لو كانت هي الأبرز.

اعتمد الفيلم كذلك على أسلوب سردي قد يبدو غريباً حيث جمع بين نمط التوثيق والمتمثل في لقاءات مباشرة مع الشخصيات وبين مشاهد الاسترجاع Flash Back والتي قُدِّمت من خلال مشاهد درامية مطولة بالإضافة إلى عدم التزامه بترتيب تصاعدي ثابت لرصد الأحداث، بل كان ينتقل بالمشاهد بين الماضي والحاضر طيلة الوقت، وهذا أبعد الفيلم تماماً عن الملل وفي ذات الوقت تم تنفيذه بحرفية شديدة حتى لا يتسبب في إرباك المشاهد، أي أن السيناريو جاء مُتماسكاً ومُتكاملاً واستغل كافة الفرص التي أتيحت له للحفاظ على تركيز المشاهد وجذب انتباهه طوال الأحداث. كما استطاع السيناريو التنقل بسلاسة شديدة بين مراحل حياة تونيا هاردينغ وإظهار مراحل تطورها ومظاهر هذا التطور وانعكاسه على انفعالاتها وعلاقتها بالآخرين ويُحسب له تركيزه على الجانب الإنساني والحياة الشخصية لها أكثر من مسيرتها الرياضية.

فيلم I, Tonya

أما عن الأداء التمثيلي فيمكن القول بأنه من أفضل العناصر في فيلم I, Tonya خاصة أن السيناريو لم يركز على شخصية البطلة المحورية للأحداث فقط، إنما أفسح المجال للشخصيات الأخرى ومنحهم فرصة كبيرة للظهور على الشاشة وكذلك تعمق في ماضيهم، مما مكن الممثلين -على اختلاف مساحات أدوارهم- من تقديم أفضل ما لديهم والتعبير عن شخصياتهم التي تتسم جميعها بدرجة ما من التعقيد.

يمكن القول بثقة أن شخصية تونيا هاردينغ تعد بمثابة إعادة انطلاق للمثلة مارغوت روبي التي عانت خلال السنوات الماضية من حالة من التخبط، ناتجة في الأصل عن سوء اختياراتها للأفلام التي تقدمها والشخصيات التي تجسدها والتي لا تتناسب مع قدراتها التمثيلية التي برزت بصورة كبيرة من خلال هذا الفيلم.

أما الأداء الأفضل على الإطلاق فهو من نصيب أليسون غاني التي قدمت الشخصية الأكثر تعقيداً ضمن الأحداث وهي شخصية “لافونا” تلك الأم المتسلطة وقد برعت في التعبير عنها في مختلف المواقف وإظهار التناقضات العديدة التي تتسم بها، ورغم غرابة الشخصية جاء أداء أليسون شديد الروعة والإقناع ورفع أسهم الفيلم بدرجة كبيرة.

I, Tonya

نادراً ما يتم الانتباه إلى المونتاج في أي فيلم سينمائي مُعاصر، لكن الأمر مختلف في حالة فيلم I, Tonya الذي كان المونتاج أحد أسباب روعته، ويمكن تبين ذلك بوضوح في مشاهد أداء البطلة لعروض التزلج، حيث تلك المشاهد ما هي إلا مزيج من اللقطات التي أدتها الممثلة مارغوت روبي بنفسها وبعض اللقطات التي قدمتها إحدى المتزلجات المُحترفات، وروعة المونتاج الحقيقية تتمثل في عدم شعور المشاهد به حيث تم القطع والوصل بين تلك اللقطات بشكل بديع لم يُشعر المشاهد ولو للحظة أنه أمام شخصيتين مختلفتين، وهذا ضاعف من مصداقية العمل، ويُشار هنا إلى أن أي نقص في مشاهد التزلج تحديداً كانت ستؤدي إلى خسارة الفيلم للكثير من روعته، خاصة أن بعضها كان يمثل نقاط تحول بارزة في سياق الفيلم الدرامي وتغير دوافع شخصياته وخاصة شخصية تونيا.

فيلم I, Tonya

تميز فيلم I, Tonya في مختلف جوانبه يرجع الفضل فيه إلى مخرجه كريج جيلسبي الذي اتخذ العديد من المجازفات كاسراً مختلف الأعراف السينمائية التقليدية ليقدم فيلم سيرة ذاتية بمنظور مختلف وبعيد عن النمط السائد والمتكرر في هذا النمط من الأفلام. كما أنه أضاف إلى الفيلم المزيد من الثقل الفني حين حَمله ببعض الرؤى الفلسفية التي زادته عمقاً وجعلته أكثر أهمية من أن يكون مجرد تتبع لمسار شخصية عامة، كما أنه أحسن استغلال مختلف العناصر الفنية من تصوير وإضاءة وديكور في تكوين كادرات سينمائية بديعة، وكذلك أثبت قدرته الفائقة على إدارة الممثلين واستغلال طاقاتهم واكتشاف جوانب أخرى من موهبتهم، وبشكل عام كانت الحالة العامة للفيلم شديدة الاختلاف والتميز في ذات الوقت، بالإضافة إلى تميزه في الاعتماد على الكوميديا السوداء في كسر حدة الأحداث المتتالية دون إخراج الفيلم عن سياقه المأساوي.

يضمن فيلم I, Tonya تجربة مشاهدة مميزة ومختلفة عن المتعارف عليه في أفلام السيرة الذاتية ويقدم وجبة سينمائية شبه متكاملة، واستحق عن جدارة كافة الجوائز التي نالها، خاصة جوائز التمثيل التي ذهبت إلى مارغوت روبي “جائزة اختيار النقاد لأفضل ممثلة رئيسية في فيلم كوميدي” وأليسون غاني “جائزة غولدن غلوب لأفضل ممثلة مساندة”، وربما حظه العثر هو ما وضعه في منافسة أفلام قوية مثل The Shape of Water، Three Billboards Outside Ebbing, Missouri، Lady Bird وغيرهم، وربما لو تم طرحه فيم موسم سينمائي آخر لنال المزيد من الجوائز..

التقييم العام : 8.5 \ 10

https://

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.