Argo حياتك تعتمد على فيلم مزيف

5

argo-alan-arkin-ben-affleckيجب أن اعترف أن فيلم Argo هو من المفاجآت الرائعة بالنسبة لي في 2012، فحينما نستذكر بداية العام نلاحظ أن الأغلبية كانوا ينتظرون فيلم كريستوفر نولان “فارس الظلام ينهض” ليختم ثلاثية الكوميك  الخالدة، و  بدرجة أقل كان الجميع ينتظر أفلام تبدو ملحمية من النظرة الأولى مثل التعاون الملفت  للأنظار بين ستيفن سبيلبرغ و دانييل داي لويس في Lincoln و فيلم المخرج الأوسكاري توم هوبر “البؤساء”، و غيرها من الأفلام التي أخذت حقها من التغطية الإعلامية. لكن جاء بين أفليك ليقلب الطاولة على الجميع و يضع فيلمه الجديد في مقدمة قوائم النقاد لهذا العام، بين أفليك الشغوف بالسينما لا يبدو أنه سيتوقف عند نقطة معينة، الممثل الوسيم الذي تحول لمخرج رائع في 2007 مع الفيلم الدرامي Gone Baby Gone أخرج فيلمًا مميزًا في 2010 -The Town- لكن للمرة الثانية يتم تجاهل أفلامه (ترشيح أوسكاري وحيد للمثلة ايمي رايان في فيلمه الأول). لكن يبدو أن الثالثة ثابتة بالفعل، حتى لو لم يحصل الفيلم على الجوائز التي ترشح لها في الأوسكار أو في القولدن قلوبز فإن الفيلم على الأقل استطاع جذب الانتباه نحو موهبة أفليك الإخراجية، و التي ستجعلنا ننتظر قادم أعماله بفارغ الصبر.

الفيلم مبني على قصة حقيقية لتهريب رهائن من إيران إلى أمريكا عن طريق تزييف هوياتهم و تحويلها لطاقم فيلم خيال علمي، و جميع أرواح هذه الرهائن تتعلق بشكل رئيسي توني مينديز (بين أفليك)، دعونا نعود في البداية لأساسيات بين أفليك الإخراجية و قدرته الرائعة على التنوع في توجهات أفلامه، بل و قدرته على كتابة  نصوص لا تمر مرور الكرام على المتابعين، في أول أفلامه تحدث عن قضية اختطاف طفلة في بوسطن، نص مبني على رواية دينيس ليهين، في ثاني أفلامه استطاع تقديم قصة مثيرة جدًا للسطو على البنوك ممزوجة بشكل رائع بقالب درامي. و الآن في أرقو يبتعد تمامًا عن آخر فيلم له و يذهب ليتبنى قصة حقيقية حصلت في ثمانينيات القرن الماضي، قضية حساسة سياسيًا و استطاع بين أفليك أن يدير الكاميرا بشكل جميل و يستخرج أفضل طاقات ممثليه.

الفيلم يسير بنمط متسارع، و أعني بذلك أنه رمى بنا في وسط الأحداث مباشرة، اختطفت الرهائن و هرب الأمريكيون الستة لمنزل السفير الكندي، و بدأت المحاولات اليائسة لإنقاذ 6 أشخاص دفعة واحدة من قلب إيران، المدينة التي يراقبها العالم أجمع، فنلاحظ أن صعوبة المهمة في المقام الأول لا تكمن في دخول إيران و التواصل معهم، بل باستخراجهم. يُحسب للفيلم تبسيطه للقصة و عدم التعمق الممل بالاختلافات بين الجهات الحكومية في أمريكا و التي تولّت القضية، ما بين الاستخبارات و وزارة الخارجية و غيرها، الوقوع في فخ التعقيد يعني تضييع المشاهد و تشتيت تركيزه على أمور ثانوية لا تهم. يبدأ بين أفليك بالتفرع في خيوط الفيلم و نشر اهتمام المتابع بشكل جزئي و بسيط، مشاهد لتوني مينديز في الاستخبارات، مشاهد للرهائن في منزل السفير الأمريكي و كيف يعيشون حياتهم، و بالطبع الحشود الإيرانية الغاضبة و عملية تجميع صور الموظفين في السفارة الأمريكية و التي ستقود في النهاية لاكتشاف هروبهم. تم الاهتمام بكل التفاصيل في الفيلم، و من أهم التفاصيل هي الأحداث التاريخية و الموجة الإعلامية المرافقة لتلك الأحداث، اختلاف وجهات النظر و مظاهرات الشعب الأمريكي و استعداد جنود فييتنام السابقين لارتداء البذلة العسكرية مرة أخرى، كلها من ضمن هذه الموجة الإعلامية المرافقة للأحداث.

بداية الفيلم الحقيقية هي مكالمة توني لابنه و خطور تلك الفكرة على باله، فبالأساس نحن نعرف القصة و نعرف كل شيء قاد إلى ذلك، ما قبل هذا المشهد كان مجرد تهييء لباقي الفيلم، و اللحظة التي ظهر فيها جون قودمان انقلب الفيلم رأسًا على عقب و ظهر وجه مغاير للفيلم، الفيلم كان مظلم و سوداوي، شخصيات بلا أمل، مع ظهور جون تغيرت هذه النظرة و أصبح الفيلم مفعم بالحياة، جون قودمان ممثل يملك ظهور رائع على الشاشة و صوته الجهوري و شخصيته العفوية تساعد على هذا الشيء بشكل كامل.

الجزء الهوليوودي من الفيلم كان من أفضل أجزاءه، تقديم هوليوود بهذا الشكل و كيف أنها في الغالب مجتمع سطحي، فارغ، إلا ما ندر. و بالطبع ظهور العجوز آلن اركين ساعد في هذا الأمر. كانت مهمة توني مينديز صعبة من حيث استخراج الرهائن، و زادت صعوبة المهمة في إنتاج فيلم مزيف و إقناع العالم بهذا الشيء، و تبدأ التحضيرات على قدم و ساق لنشر اسم هذا الفيلم، و هذا بالطبع يوصلنا إلى واحد من أجمل مشاهد الفيلم. مشهد قراءة نص الفيلم في المؤتمر الصحفين، يدير بين أفليك الكاميرا بشكل رائع بين المؤتمر الصحفي و بين مؤتمر صحفي آخر في إيران، و بين المؤتمرين نرى ما يحصل في أيران لبعض الرهائن المحتجزين و نرى ردة الفعل الفزعة من قبل الرهائن الستة في بيت السفير الكندي، و نشاهد ما يحصل في الإعلام الأمريكي من نقل للأخبار و ترقب لمصير هذه الحادثة. هو ذلك النوع من المشاهد الذي كتب بحرفية عالية و ركز على المشاعر الداخلية للشخوص المتأثرة بالقصة.

يجب أن نشيد بتلك اللحظات الدرامية الحزينة التي سبقت سفر توني مينديز لإيران، حواره السوداوي مع رئيسه جاك في السيارة قبل نزوله للمطار: “كان علي إحضار بعض الكتب لقراءتها في السجن”. “لا، سوف يقتلونك قبل وصولك للسجن بفترة طويلة”. ثم نشاهد اتصال توني على جون تشامبرز و تفقد العملية، ثم اللحظة الدرامية الأروع، يتصل توني بمنزله لكنه لا يجد ردًا، فيكتب رسالة صغيرة لزوجته و ابنه لعلها تصل إليهما. هذه المشاهد تظهر قيمة الفيلم على المستوى الدرامي و أنه ليس مجرد فيلم إثارة سياسي، بل هو قبل ذلك فيلم درامي يبحث في تأثير هذه الحادثة داخل شخصياته.

في آخر أجزاءه، تحول الفيلم بشكل مذهل إلى فيلم إثارة رائع، بدأ توني يحاول أن يجهز الرهائن لمهمتهم و يجعلهم يحفظون شخصياتهم الجديدة و التي من خلالها سيهربون، يتطرق الفيلم لعدة مشاكل هنا، أولها مشكلة الثقة، من الصعب جدًا الوثوق بأي شخص لتنفيذ هذه المهمة لمجرد كونه أمريكي الجنسية، المشكلة الثانية صعوبة المهمة بحد ذاتها، نحن لا نتكلم عن حفظ بضعة جمل، نحن نتكلم عن حفظ سيرة شخص كاملة و أشياء أخرى. يحاول الفيلم أن يعالج هذه المشاكل بالتدريج و يأخذ وقته الكامل في حلها، مع ذلك لا وجود لأي ملل و نبقى على أعصابنا مترقبين لمصير هذه الرهائن. يتخذ الفيلم مسارًا مختلفًا بعد أن أُلغيت المهمة، توني مينديز يحمل على كاهله المهمة بأكملها و ينطلق لتنفيذها برغم أنه يخالف الأوامر، بالتأكيد نستطيع تبرير أفعاله بأنه لا يملك شيء ليخسره، و أيضًا أنه ارتبط عاطفيًا بالرهائن، و بعد ما اكتسب ثقتهم بصعوبة كبيرة ستنهار هذه الثقة  بكل بساطة إذا علموا بإلغاء المهمة. تنطلق المهمة و ينفجر الفيلم بصورة رهيبة، إثارة الفيلم تتضاعف و النص يترابط بشكل رهيب، التبديل بين المشاهد كان رائعًا للغاية و يتم توزيعها بشكل مذهل، و نحن في خضم هذه الملحمة نقف منبهرين من إتقان ما نراه. يجب أن نشيد بأن الطاقات التمثيلية بلغت ذروتها في آخر الفيلم من جميع الممثلين بلا استثناء، و نخص بالذكر برايان كرانستون الذي توقف عن كونه ظلًا أغلب الفيلم و أطلق العنان لموهبته التمثيلية الكبيرة. ليس هناك داعي لإكمال ما حصل، نجحت المهمة و عاد رتم الفيلم ليهدئ بعد العاصفة آخره، مشهد شاعري جميل يجمع توني مينديز و رئيسه جاك في مواقف السيارات، جون تشامبرز يغلق المكتب الخاص بالفيلم، توني يعود لزوجته و ابنه. بالنسبة لي و للكثيرين قد لا يكون آرغو هو الفيلم رقم 1 في العام، لكنه بالتأكيد فيلم رائع و يستحق أي جائزة سيحصل عليها ( لا تعليق حول عدم ترشيح بين افليك لأوسكار أفضل مخرج). دعوني لا أنسى.. Argo Fuck Yourself.

14argo-articleLarge

5 تعليقات
  1. عامر يقول

    اانتظر باحر من الجمر رؤيه الفلم
    شكرا جزيلا على التغطيه الاكثر من رائعه

  2. نوره اللحيدان يقول

    الاخراج جميل جدا التمثيل ممتاز ويمكن وصل للمثاليه ،، اللي ماعجبني ابدا بالفيلم لحظه اكتشاف الأيرانين وجود خطه الخروج متزامنه مع وقت هروبهم .. كان بأمكانهم ايجاد نهاية افضل من هالحبكه الهنديه المستهلكة !
    الفيلم شفته بالسينما وكله اجانب ولله اني خفت يقولون لي شي 🙁
    طبعا مانستغرب هالاعجاب وهالمديح لأنه يخدم فكره استهداف الاجانب من قبل المتوحشين المسلمين
    افكار الافلام بهالشكل اصبحت مستهلكة جدا كوني من ١٩٩٥ وانا متابعه للافلام ومع ذلك نلاقي مايقفز بالشباك ويلاقي نجاح جماهيري بشكل خرافي الا هالافلام
    مشكور جدا على المراجعه الممتعة

  3. أبو ياسر يقول

    مثل ما قالت نورة المشاهد اللي بالمطار أفكار مستهلكة وغبية جداً !
    عند إدخال الإسم للتأكد من الحجز ويأتي التأكيد في أخر اللحظات !!
    وعند إتصال أمن المطار على الإستديو للتأكد من صحة بياناتهم ويأتي الرد في أخر اللحظات أيضاً !! سبحان الله
    أيضاً عند الكشف على هوية أحد الدبلوماسيين ومعرفته والإتصال بأمن المطار تحديداً بعد لحظات من دخولهم البوابة .. ومن ثم مشهد السيارات وهي تطارد الطااائرة !!!
    كنت أتمنى نهاية أفضل من هذه النهاية الغبية .. عموماً فلم دون المتوسط وكنت متوقع أفضل من كذاً 🙂

  4. Hitchcock يقول

    بصراحة فلم جميل جدا
    والنهاية مثيره جدا جدا
    وأجمل مافي الفلم الاخراج بصراحة
    =======================
    بين أفليك لم يأتي بشيء من خياله
    كل شيء اثبته بالصور في نهاية الفلم
    ———-
    رغم هذا أرى أن سحابة أطلس هو أفضل أفلام العام الماضي

  5. أحمد يقول

    فيلم رائع من حيث القصة والأداء لكن هناك ثغرات رهيبه أستغرب تجاهل صناع الفيلم لها حيث الوجوه الأيرانيه ليست دقيقة بل هي اشبه بالعرب وكان بالأمكان جلب ممثلين من الجاليه الايرانيه الكبيرة في الولايات المتحده ليصبح مشهد المجتمع الايراني واقعي كذلك الخلط في بعض العبارات والشعارات الموجوة فهي عربية وليست فارسيه ولكن هذة التفاصيل لم تؤثر كثيراً على جماليه الفيلم
    شكرا لكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.