Beasts of the Southern Wild رائعة ومفاجأة هذا العام

0

لا أعتقد بأنه هناك انجاز أو بداية لمخرج مبتدئ ممكن أن تكون أفضل من تلك البداية التي بدأها مخرجنا هنا في فيلم Beasts of the Southern Wild حينما قدم فيلمه هذا في مهرجان كان السينمائي في فرنسا هذا العام ولاقى إعجاب من الجمهور بدرجة كبيرة ومن النقاد بدرجة أكبر عندما وصفوه بأنه من أفضل -الأفلام وأجمل المفاجئات التي سبقت وأن حضرت في تاريخ مهرجان كان . على الرغم من نجاح الفيلم في مهرجان كان نقدياً وجمهورياً الا انه كان لا يزال لم يحظى بالشعبية وبالحملات الإعلانية المناسبة له قبل إصداره رسمياً في صالات عرض السينما في أمريكا وفي انحاء العالم , فبعد عرض الفيلم في صالات السينما هذا العام بدأت الآراء والمديح ينهال بشكل أكبر على هذا العمل البسيط إلى درجة أنه وصل ببعض الجمهور والنقاد بأنه يحجزوا له بعض من الحضور في مهرجان الأكاديمية “الأوسكار” لنفس العام , المجمع عليه في هذا الفيلم بأنه أحد أبرز أفلام السنة من دون شك . تحكي قصة الفيلم عن منطقة نائية تقع في الولايات المتحدة بالقرب من أحد المدن الكبرى في أمريكا ويعيش في تلك المنطقة مجتمع من الأمريكيين الفقراء والذين يعانون للوصول إلى معيشتهم في يومهم. يعرض الفيلم قصة تلك الجماعة عن طريق قصة الطفلة “Hushpuppy” وأباها ويعرض الصعاب التي تواجههم في حياتهم ومحاولاتهم للنجاة بأنفسهم في تلك المنطقة التي تكاد تغرق من أدنى عاصفة تضربها فلذلك يعيش سكانها حالات خوف ورعب شديدة بمجرد وجود أي علامات لأي عاصفة قادمة.

مايعرضه الفيلم هنا في شخصية الطفلة هو تجسيد للعالم وتصوير لمصاعبه ومحنه التي تضرب في العالم بشكل يومي عن طريق أعين وخيالات تلك الطفلة البريئة , فهي تعيش في منطقة تحتم عليها العيش بأسلوب صعب للنجاة والبحث عن لقمة عيش يومها ومع أبيها الذي يعاني من مرض قاتل على مايبدو لها , فيشركنا المخرج في رحلة حقبة حياة تلك الطفلة ومايصنع شخصية تلك الطفلة ومايحيط الانسان من مجتمع ووطن وأهل, فتميز هذا العمل كان بخلق عالم متكامل مليء بالحياة ومصاعبها ومليء أيضاً بأساسات المجتمع في الأب والأم والوطن بأكمله , فكان لشخصية تلك طفلة خيالات تربطها بعوالم بعيده تماماً عن واقع ماتعيش منطقتها وأكواد تتواصل بها مع الحيوانات والمرضى مما يرسم فكر الطفل ويصوره بأسلوب بسيط ومميز جداً فكان يعرض بذلك الفكر والخيالات لتلك الطفلة أسلوب تعايشها مع مايحيطها في عالمها بالرغم من أن شخصيتها تبنى على أساس ذلك العالم الصعب والشاق للإنسان وخصوصاً لطفل .. كان التركيز أيضاً على المجتمع الذي يعيش في تلك المنطقة النائية بتصويره في قمة سعادتهم واحتفالاتهم وبساطة ذلك المجتمع بالسلام والحب الذي كان يقدمه بعضهم لبعض , حتى عندما عصفتهم العاصفة القوية وأغرقت كل منطقتهم وبيوتهم تقريباً كانوا يبحثون عن بعض وعن مكان يجمعهم رغم سوء ذلك المكان وصعوبة العيش فيه الا ان الرغبة وحب الوطن وهو مايتمثل بمجتمع صغير يكسر كل تلك الحواجز . رحلة الطفلة هاش بوبي كانت حافلة بإيحاءات وتصويرات مذهله لحياة الانسان ورحلة الانسان بأكملها في الخوف والشجاعة والقدر والحياة والموت والحب والوطن والحنان , يصور لنا المخرج مجموعة تلك الرسائل السامية في عرض قصة الطفلة هاش بوبي بداية في ضربها لوالدها وتمنيها بموته وتنقض ذلك تماماً عندما ترفض أن تترك أبيها خلفها في الملجأ يموت وتعود هي لوحدها بقولها بأنه هو من بين كل الأباء لا يموت في مشهد رائع ومفعم بالمشاعر والاحاسيس البريئة الطفولية من الطفلة هاش بوبي يتجلى ذلك برفضها الموت وهو مايعتبر سنة من سنن الحياة التي يؤمن بها كل انسان ,. وأيضاً في رحلة الطفلة هاش بوبي مع صديقاتها إلى ذلك الملهى الليلي مع  قائد السفينة الذي وجدهم وعندما قابلت هناك كل طفلة منهم بإمرأة أكبر منها وشعروا بالاتصال ببعض من العاملات في ذلك الملهى بمجرد نظرات التعاطف تجاههم كأطفال من هؤلاء النساء الغريبات في رسالة وتصوير من المخرج بحاجة هاش بوبي إلى حنان الأم التي لطالما بحثت عنه وترسمه على جدارها ليقف معها في محنها وأشدها كان في تلك العاصفة عندما عرض المخرج اتصال هاش بوبي الروحي أو العاطفي مع أمها الراحلة من ولادتها تقريباً عن طريق رسمة على حائط وقطعة من ملابس الأم , فعلى الرغم من ان هاش بوبي عاشت كل حياتها في مجتمع بعيد عن الانسانية كما يرى البعض الا انها فطرة الانسان في الحب والحنان التي يجبل عليها ويحتاج لها تجعل من تلك الطفلة العدائية التي حتى انها تطلق على نفسها “الرجل” بأنها تنصاع وتظهر حاجتها للحب والحنان أمام إمرأة غريبة عليها تماماً.

لعل المفاجأة الأكبر في الفيلم لم تكن في كون المخرج قدم عمل أول مميز له ويعتبر مفاجئ بحد ذاته كما يشهد له غالبية النقاد وزوار المهرجانات ومن حضر الفيلم وشاهده , إلا ان المفاجأة الأكبر والأكثر سعادة كانت في وجود الوجوه المغمورة والصغيره في الفيلم وقادوا الفيلم من الناحية التمثيلية بأسلوب مذهل وعظيم جداً , الحديث هنا ممكن نخصصه عن الممثلة الطفلة “كويفان جانيه ووليس” التي قامت بأداء شخصية الطفلة هاش بوبي في الفيلم , ذات الست سنوات فقط كويفان قدمت باجماع غالبية من شاهد الفيلم بأنه أحد أفضل الأدوار النسائية لهذا العام لما عملته من أداء مذهل في تقديم شخصية معقدة وتركيبة انسانية شاعرية في الطرح وحالمة في الفكر بأسلوب متضاد في الأحداث في رحلة الفيلم , مثل هذه الأمور تعتبر من النقاط التي تصعب في أداء أي شخصية سينمائية الا أن طفلة الست سنوات قامت بشكل مفاجئ بهذا الدور على أكمل وجه على الرغم من تعقيده كما ذكرت فكانت برأي هذه كمفاجأة مذهله جداً بغض النظر عن كون الفيلم بأكمله كان مفاجأة لي شخصياً بمستواه الا ان مفاجأة اداء الطفلة كان أجمل وأروع بالنسبة لي , لا أعلم ان كانت جوائز الأوسكار ممكن أن ترشح أو تعطي طفلة ذات ست سنوات جائزة كجائز أفضل أداء نسائي في السنة.

 في النهاية عمل “الوحوش البرية الجنوبية” هو حتماً أحد أفضل أعمال هذه السنة الحافلة بالأعمال المميزة وهو من دون شك مفاجأة العام بالنسبة للشارع السينمائي كما أسلفت ومن الممكن أن يكون بداية مشوار سينمائي لأغلب طاقم هذا العمل الفني الراقي سواءً المخرج او حتى الممثلين في الفيلم وخصوصاً الطفلة الصغيرة كويفان حينما أظهرت امكانيات راقية ومذهله والكلام نفسه أيضاً ينطبق على المخرج الشاب “بين زايتلين”  الذي من الممكن ان يكون قدم ضمانة تميزه ونظرته المتفردة للفن والسينما خاصة وسيكون منتظر منه أعمال أفضل وحتى مجال النضج له كمخرج سيكون كبير جداً أمامه مما يجعل الانتظار لأعمال المخرج في قادم أيامه السينمائية أمر محتم على الأقل بالنسبة لي . فيلم الوحوش البرية الجنوبية هو رحلة عن معاني ومصاعب الحياة بشتى درجاتها استمرت ساعة ونصف صورها المخرج بأبسط أساليب الفن والسينما وبرسم خيالات وأفكار الطفل البريء في مواجهة العالم الذي هو في النهاية يتشكل على عوالمنا هذه الأيام , فكانت رحلة رائعة ومليئة بالمشاعر والأحاسيس بالوصلات الإجتماعية والإنسانية والحاجات الروحية لدى الإنسان.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.