Cloud Atlas ثورة العدالة، ثورة الحياة، ثورة الحب

2

cloud-atlas-thththفي عام مليء بالأفلام الرائعة، و مليء بالأفلام المثيرة للجدل، ظهر فيلم Cloud Atlas للأخوين ويتشاوسكي ليظهر بمظهر الحصان الأسود، دعونا نزيح عن كواهلنا فكرة منافسة الفيلم في المحافل الشهيرة، أفلام الخيال العلمي ليس لها تاريخ مشجع للمنافسة في الأوسكار و غيرها، بالذات أفلام الأخوين ويتشاوسكي، لكن يجب أن نرفع القبعة احترامًا لهذا الفيلم الأخّاذ، عندما انهيت الفيلم كان عندي بعض الشكوك و المشاعر المتضاربة حول الفيلم، بعد فترة اكتشفت أن الفيلم فاق توقعاتي خصوصًا أنني لم أكن متحمس له في المقام الأول. فيلم “سحابة أطلس” هو عبارة عن ثلاث ساعات من المتعة و الرفاهية السينمائية، قد لا يكون منافسًا حقيقيًا لأفلام هذا العام، لكنه بالتأكيد من أفضل أفلام 2012 و من الراجح أنه سيبقى في الذاكرة لفترة ليست بالقصيرة.

الفيلم مقتبس من رواية المؤلف البريطاني ديفد ميتشل و التي ظهرت في عام 2004. تحويل أي رواية إلى فيلم يتطلب مجهودًا ضخمًا، فما بالك برواية تحتوي على 6 قصص و تتطلب بالأساس مؤثرات بصرية كبيرة و تصوير سينمائي بديع؟ لا أود الخوض في ملابسات القصة، لأكثر من سبب، أولها أنني لا أعلم كيف سأروي الأمر، ثانيها أن دخولك للفيلم بدون أي معلومات عنه سيكون أكثر متعة.

في الحقيقة لا أعلم كيف سأتكلم عن الفيلم، هو فيلم محير، فيلم محير في مشاهدته، محير في الحديث عنه، محير في تفاصيله الدقيقة. إن فيلم سحابة أطلس مزيج من الأحاسيس الإنسانية الرائعة، هو ذلك النوع من الأفلام الذي برغم طول مدته فأنت لا تحس بالملل إطلاقًا -هذا ما حصل لي على الأقل-، و برغم متعته الكبيرة، فهو يحوي من القيمة الفنية الشيء الكثير، قليلة من الأفلام التي تحوي على هاتين الصفتين بدون أن تطغى إحداهما على الأخرى، و قليل من الأفلام تستطيع الجمع بين الصفتين في الأساس. الفيلم يظهر بثيمات كثيرة و متعددة، هو فيلم مُشع بالألوان في وقت من الأوقات، و حالك الظلمة في وقت آخر، هو فيلم سريع النسق في بعض الأحيان، و هادئ في أحيان أخرى، أفلام الخطوط الزمنية المتعددة و الكركترات الكثيرة تحتاج إلى نصوص متماسكة و مترابطة، تحتاج إلى عقول نيّرة و متقدة، بالنسبة لي كمتابع بسيط للأفلام، أرى أن الأفلام المعقدة و التي لا تفهم من أول مشاهدة تنقسم إلى قسمين، أفلام تحتاج إلى الشرح، و أفلام لا تحتاج إلى الشرح. دعوني أوضّح الامر بصورة أفضل، حينما نتكلم عن أفلام مثل التحفة “طريق مولهولاند” للعبقري ديفد لينش، أو رائعة “A Serious Man”  للأخوين كوين، هي أفلام تطرح أسئلة ولا تجاوب، و بالأساس هو أمر وضحّته هذه الأفلام و استمرت بتوضيحه إلى نهاية الأمر، بالأساس فيلم الكوينز هو فيلم مبني على هذه الفكرة، هناك أسئلة لا يوجد لها إجابات و علينا التقبل بهذا الأمر، الجميل في هذه الفكرة أنها تنفع لقصة الفيلم و الأسئلة الوجودية التي يحتويها، و تنفع أيضًا للجواب على الجمهور السينمائي الشغوف الذي لا يكف عن البحث في دهاليز الأفلام عن أجوبتها. في الناحية الأخرى نجد مخرج مثل كريستوفر نولان يظهر بأفلام مثل The Prestige و Inception، أفلام مليئة بالأسئلة و الأجوبة، و نولان يحاول جاهدًا إيصال الفكرة بشكل مبهم و في نفس الوقت لا يستحيل فهمه.

دعونا نبدأ مرة أخرى، لماذا أطلت الحديث عن الأفلام و شروحاتها؟ لأن فيلم سحابة أطلس هو من النوع الثاني و الذي يحتاج إلى الشرح، لكن الجميل فيه، هو أن الفيلم لا يبذل جهدًا في شرح فكرته و مغزاه، لا يبذل جهدًا في ربط خطوطه الزمنية، على العكس تمامًا. الفيلم استغل مدته الزمنية الطويلة، و مع مرور دقائق الفيلم تتضح الصورة شيئًا فـ شيئًا، أنت لا تحتاج لأن تتعب نفسك بالتفكير، و لعل الفيلم يمزح معنا في هذه الجزئية، فنحن نجهد عقولنا محاولين فهم الحبكة و ربط الشخصيات لنتفاجئ بأن الموضوع بسيط و سهل، و أن نهاية الفيلم تربط كل الخيوط، و نكتشف فكرة الفيلم الأساسية و مغزاه.

أجزم أن الفيلم قدم أحد أجمل نصوص العام، نص ساحر للغاية، نص متنوع و متقلب، نص يحتوي على جميع التوجهات السينمائية: الدراما، الإثارة، الكوميديا، الأكشن، و غيرها من التوجهات، و الجميل أن كل قصة في الفيلم اتسمت بأحد هذه التوجهات، و التنقل بين القصص بالأساس كان مثالي، غير ممل، يكسر روتين الفيلم لكن بطريقة ذكية، فهو يعطي كل قصة حقها بدون استثناء. الأجمل من ذلك، هو الحوارات الرائعة للغاية و التي كانت بدون أدنى شك أحد أكبر مميزات الفيلم، تنوع الحوارات و أهدافها بين شخصيات الفيلم، الاختلاف في عمق الحوارات و درجة حدتها، فلا نرى تطرف في السطحية فنلاحظ ضعف العمل من هذه الناحية، أو تطرف في العمق و هذا قد يسبب مللًا كبيرًا للمشاهد، بالنظر إلى مدة الفيلم الطويلة.

cloud-atlas-4تتقدم التكنولوجيا و يتقدم الإبهار البصري السينمائي معها، فكما كانت أفلام شجرة الحياة و هيوغو عنوانًا للتقدم في 2011، سحابة أطلس هو بطل 2012، الجميل أن هذا الإبهار البصري لم يقدم لمجرد الإبهار و المتعة فقط، الإبهار كان له هدف، مغزى، غاية، كان ملامس لأحاسيس و مشاعر المشاهد. استطاع الأخوان ويتشاوسكي مع توم تايكوير جمع هذه المشاهد مع مشاعر الشخصيات بشكل رائع، بالذات تلك المشاهد المستقبلية لـ جيم ستورغيس و دونا باي، ولا ننسى جمالية الحقبة السبعينية مع هالي بيري و كيث ديفد، و بالتأكيد، تناقضات الماضي و المستقبل مع شخصيتي زاكري و ميرونيم.

هل ممكن أن يترشح مخرجوا الفيلم للأوسكار؟ أرى هذا الأمر صعب الحدوث في ظل الحرب الضارية بين ستيفن سبيلبرغ و توم هوبر و كاثرين بيغلو و بين أفليك، لأن من الواضح أن بول توماس انديرسون ليس مفضلًا للأكاديمية، فما بالكم بالأخوين ويتشاوسكي؟ لكن هذا لا ينفي العمل الرائع و المبهر الذي قاموا به، و لا ينفي أن إخراج الفيلم كان من أجمل الأعمال لهذه السنة.

الطاقم التمثيلي لا غبار عليه، بدايةً من توم هانكس -لم أحب لهجته البريطانية بالمناسبة- و انتهاءً بأصغر ممثل في الفيلم، يحسب للفيلم أنه خلق أجواء خاصة للممثلين بحيث أن كل ممثل يبدع في حقبة زمنية معينة، توم هانكس مثلًا قدم شخصية زاكري بشكل جميل، هالي بيري أبدعت بأداء لويسا راي التي تعيش في حقبة السبعينات، بينما قدم العجوز جيم برودبينت دورًا كوميديًا أخّاذًا في شخصية تيموثي كافندش، و بالطبع أداء جيم ستورغيس و دونا باي في شخصيتي هاي جو تشانغ و سونامي.

في النهاية، دعونا نقول أن فكرة و أساس فيلم سحابة أطلس يجعله بدون أدنى شك من ضمن 10 أفلام في هذه السنة، بالنسبة لي على الأقل. ففكرة ارتباط الماضي بالمستقبل بهذه الطريقة الرائعة و تقديمها بأسلوب سينمائي جميل تستحق الإشادة بكل تأكيد.

2 تعليقات
  1. Ahmed Fouad يقول

    من أحسن الأفلام اللي شوفتها في حياتي من غير مبالغة

  2. Hitchcock يقول

    فلم 10/10
    فلم اعتبره أكبر الافلام المظلومة العام الماضي
    شخصيا أره يستحق الاوسكار
    وكان أفضل OST
    —————-
    تختلف الازمنة والهدف واحد (( الحريه ))

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.