Flight سقوط الطائرة لم يكن إلا بداية الرحلة

4

flight06لم يسعفني الحظ بمشاهدة أفلام النخبة في 2012 حتى لحظة كتابة هذا الموضوع .. ولكن إن كنت سأختار أذكى سيناريو لهذا العام فأعتقد أن Flight سيكون خياري الأول .. فطريقة تحويل مسار الفيلم من إثارة سقوط الطائرة إلى دراسة متعمقة لشخصية رجل مدمن وبوقت مبكر من الفيلم كانت أشبه بدرس يمكن تلقينه في معاهد الفنون وكتابة السيناريو .. ولا يمكنني حقيقة تذكر سيناريو مماثل في الذكاء والحرفية سوى سيناريو فيلم Million Dollar Baby الفائز بأوسكار أفضل فيلم عام 2004 .. عندما تحول مسار الأحداث من رحلة بطولية لملاكمة مغمورة إلى فيلم درامي سوداوي عن الحياة والموت.

العرض الدعائي للفيلم برأيي خدم الفيلم كثيرا على مستوى المراجعات الإيجابية .. فبعد مشاهدته لا يمكنك أن تنتظر سوى فيلم إثارة آخر عن سقوط طائرة مليئة بالركاب .. خصوصا مع وجود اسم دينزل واشنطن على الفيلم .. وهو الذي عودنا على أفلام الأكشن التقليدية في السنوات الأخيرة .. ولكن حقيقة لا يوجد أفضل من شعورك عندما تشاهد فيلما بتوقعات منخفضة لتفاجأ بزخم من الإبداع على مستوى القصة والتمثيل والإخراج .. وإذا تحدثنا عن الإخراج فيجب أن نبارك عودة المخرج المتألق روبرت زيمكس إلى إخراج الأفلام الحية بعد انغماسه بإخراج أفلام الأنميشين في السنوات الأخيرة مثل Beowulf و The Polar Express.

روبرت زيمكس يدخل هذا الفيلم بنفس الكاميرا التي أخرج بها تحفته الخالدة Forrest Gump مع توم هانكس .. رغم القدرات التقنية الكبيرة التي اكتسبها في السنوات الأخيرة ولكنه يفضل التمسك بطريقته الكلاسيكية وعدم التكلف في إخراج فيلم كان يمكن إفساده بمحاولة دفعه إلى خانة الإثارة أكثر منه إلى الدراما .. ولكن جودة السيناريو والبناء الدرامي القوي لشخصية الكابتن ويب ويتكر “واشنطن” يضمن بقاء زيمكس في خانة الدراما وتركيزه الكبير على الجانب النفسي لشخصية الكابتن ويتكر .. ولكن هذا لم يثني عزمه عن فرد عضلاته في الإخراج الرائع جدا لمشهد سقوط الطائرة ابتداء من كابينة القيادة .. مرورا بركاب الطائرة ومضيفاتها .. ونهاية بموقع السقوط ورؤية الناس للطائرة وهي مقلوبة تماما في الهواء.

يتحدث الفيلم عن تعرض رحلة جوية داخلية لظروف جوية صعبة مما ساهم في تعطل الطائرة وسقوطها وهي التي تقل 102 شخصا على متنها .. ولكن الفيلم يبدأ بمشهد لكابتن الطائرة وعشيقته المضيفة “كاترينا” وهما ينهضان من النوم بتثاقل بعد ليلة طويلة من شرب الكحول وتعاطي المخدرات .. فهذا المشهد يبدأ بإعطائك لمحة سريعة ودقيقة عن الشخصية التي سيتم استعراضها طوال الفيلم .. ويستمر الفيلم في تشريح شخصيته الأساسية عندما نرى الكابتن “ويتكر” وهو يقف أمام ركاب طائرته وهو يشرح لهم الأوضاع الجوية السيئة للرحلة وهو يجهز بيده الأخرى خلف الستار مشروبا كحوليا جديدا للاستمتاع به أثناء الرحلة .. تواجه الطائرة عطلا تقنيا يعصف بالطائرة ويدمر محركاتها ليقوم ويتكر بمغامرة كبيرة عندما يقلب الطائرة رأسا على عقب بهدف تخفيف حدة السقوط .. ثم يقوم بتعديلها قبل أن يجعلها تسقط بأمان على أرض فضاء مجاورة لكنيسة.

نرى الإعلام بعدها يتعاطى مع القضية الأهم في أمريكا حاليا .. كيف نجح قائد الطيارة البطل من إنزالها إلى بر الأمان وإنقاذ أغلب ركابها من الموت .. هنا الكابتن ويتكر لا يتعاطى مع الموضوع بتلك الأهمية .. فلم يسبق لنا أن شاهدنا مدمنا يتحمس لأي شيء .. لذا فهو يتواصل مع صديقه الذي يمده بالمخدرات “المرح جون قودمان” والذي ياتي مباشرة إلى المستشفى لإمداد صديقه باللازم وتجهيزه للخروج.

الفيلم لا يقوم باختيار شخصية ذات تاريخ معقد أو خلفية ثقافية متواضعة أو نمط حياة رخيص بل يتم إسناد القصة إلى شخص محترف ومحترم يعمل في مهنة مرموقة كطيار مدني خبير له اسمه ضمن نقابة الطيارين .. ليثبت أن وباء الإدمان يمكن أن يعصف بأي شخص وفي أي وقت وأي مكان .. وقد ينجح الشخص في الاستمرار بنمط حياته الناجح ولكن كثرة الأكاذيب المتراكمة على نفسه وعلى الآخرين لابد لها من أن تنجلي يوما ما لتترك هذا المدمن وحيدا ينظر في أعين من وثقوا به وسلموه حياتهم وكيف أنه قد خذلهم .. كيف أنه قد خان الأمانة العامة.

الفيلم فعليا هو عبارة عن فيلم درامي يتحدث عن مدمن للكحول، ومنحنى الإثارة الذي سلكه الفيلم فيه بدايته عن طريق مشهد سقوط الطائرة لم يكن إلا مدخلا للقصة، واستمرار التحقيقات في القصة وظهور المحامي هيو “دون تشيدل” مرارا وتكرارا هو لإعطاء المساحة للمدمن “ويتكر” لسرد المزيد من الأكاذيب والاستمرار في تجهيز حفرة أعمق ليسقط بها عندما ينهار كل شيء .. فمن هذه الزاوية لا يمكن لنا سوى أن نرى القصة التقليدية للمدمن الذي يعيش حياته اليومية مستندا إلى الاكاذيب لتصبح بعد مرور بعض الوقت جزء من نمط حياته اليومية .. سواء كان مدمنا للكحول او المخدرات .. أو حتى الجنس كما رأينا في أحد أفضل أفلام 2011 Shame للمبدع مايكل فاسبيندر.

مساعد الطيار “كين إيفانز” قد يكون هو الشخص الوحيد الذي يمكنه أن يشهد ببراعة الكابتن ويتكر وتعامله الشجاع مع الموقف ليساهم في إنقاذ 96 من ركاب الطائرة وهو عدد لم يكن ليتحقق مع أي قائد آخر للطيارة (تماما كما ذكر المحامي هيو أن شركة الطيران قامت بعملية محاكاة لما حدث لهم واختبار عشرة طيارين آخرين لرؤية تعاملهم مع الموقف والنتيجة كانت فشلهم جميعا في إنقاذ الركاب) لذا فإن المنطق يقتضي أن يكون “كين” أول شخص يقف في صف ويتكر من أجل تدعيم صفه وإنقاذه من هذه الورطة .. ولكن لأن انكسار ويتكر أكثر وأكثر كان من أهداف هذا الفيلم رأينا “كين” يقوم بكل عقلانية بفصل عملية إنقاذ الركاب عن حقيقة حضور ويتكر للعمل وهو مخمور ذلك الصباح .. وفي حقيقة الأمر فإن “كين” كان هو الشخص الوحيد الصادق في كل هذه المعمعة .. حتى وإن كان صدقه مؤذيا لويتكر ولكنه سيساهم في استفاقته لاحقا ومواجهة أكاذيبه.

مشهد صراع ويتكر مع الثلاجة هو أفضل مشاهد الفيلم بدون شك .. فمع دخوله المريب إلى الغرفة المجاورة في الفندق ظننت أن هوليوود ستأتي ببعض حركاتها المعتادة في مشهد لمحاولة قتل ويتكر من قبل نقابة الطيارين رغبة في التخلص منه ومن مشاكله .. ولكن في تلك الغرفة لم يكن موجودا سوى ويتكر وثلاجة الميني بار .. وهو الذي سمع صوتها بعد أن كان مواجها لنافذة الغرفة الخاوية .. وفي مشهد رائع من المخرج زيمكس نرى ويتكر وهو يفتح الثلاجة ببطئ وتنتقل الكاميرا إلى داخل الثلاجة لتواجه ويتكر تماما وهو يبتلع ريقه الناشف منذ ثمانية أيام .. جميع زجاجات الخمر في مواجهة سكيّر يحاول أن يحتفظ بما تبقى من كرامته وحريته .. ونرى بشكل واضح محاولاته المضنية لكبح جماحه وعدم الشرب حتى بعد أن أخذ أول زجاجة وقام بفتحها .. ولكنه يضعها فوق الثلاجه معلنا أنه يستطيع المقاومة .. معلنا أنه يرغب بالمقاومة .. ولكن الضعف يتمكن منه عندما تبقى الكاميرا على الزجاجة الصغيرة لتأتي يد ويتكر وتلتقطها بسرعة خاطفة تدل على الضعف والخوف في وقت واحد وأن الشهوة انتصرت على العقل.

يجلس الكابتن المحترم ويتكر على طاولة التحقيق في ختام هذا الفيلم .. مستعدا لذكر كذبة أخرى ضمن نمط حياته اليومي .. وقد تكون هذه الكذبة هي الأهم لإنقاذه من السجن وللحفاظ على وظيفته .. هو يجلس باستعداد إكمال الفصل الأخير من المسرحية التي صاغها له المحامي هيو والذي نجح خلال الفترة الماضية بإنقاذه من أكثر من مأزق وجاء وقت حصاد كل تلك المجهودات وضمان الانتصار للجميع .. ليس على “ويتكر” سوى النطق بكذبة أخيرة .. ولكن بمشهد رائع من المبدع دينزل واشنطن وبتعابير وجه متقنة وصوت مهزوز نراه يحاول الإجابة على الأسئلة وبكذبة تمهد للكذبة التي تليها طريق النجاة .. يصل “ويتكر” إلى خط النهاية ليجد صديقته المضيفة “كاترينا” تنظر إليه مباشرة عبر بروجكتر هيئة التحقيق .. مع السؤال الأخير “هل تعتقد بأن كاترينا هي من شرب زجاجتي الكحول الموجودة في الطائرة؟” .. كل المعطيات في حياة “ويتكر” جاءت إلى هذه اللحظة .. فقدانه لأبيه .. طلاقه من زوجته .. علاقته بإبنه .. معرفته لنيكول .. والآن اتهام كاترينا بما اقترفه هو صباح ذلك اليوم .. رغم أن خط النهاية قريب ولكن “ويتكر” يقف قبل لوصول إليه بأمتار .. لم يعد يرغب بالنهاية .. إنه يبحث عن بداية جديدة .. لم يعد الوضع يحتمل كذبة أخرى.

“رحلة طيران” .. هو فيلم آخر ينجح في تشريح النفس البشرية ما لها وما عليها .. عبر النظر في حالة كابتن طائرة معطوب نجح في عمله وأنقذ ركاب طائرته .. ولكنه بنمط حياته وأكاذيبه جعل من كل شيء خيارا يمكن التخلي عنه بأي لحظة .. عندما رأه الجميع بطلا كان هو يبحث عن زجاجة خمر لتخبره الحقيقة .. بأنه مجرد مدمن للكحول.

4 تعليقات
  1. عبدالرحمن التميمي يقول

    فيه مشهد مريض السرطان الي قابلهم بالدرج .. المشهد ما له تأثير بحبكة القصة بس نفس المشهد يعطيك بُعد درامي مهبول للشخصيات , استغربت ما جبت طاريه كرتوني العزيز

  2. عمر يقول

    من اجمل الافلام ذات الحبكه الدراميه
    ماتدري من تتعاطف معه
    مع أهالي الضحيات
    ولا مع هالسكير اللي انقذ الباقي

  3. سلمان يقول

    فعلا كانت رائعه سينمائيه اتقنها دني بجداره

  4. viplove يقول

    يكفي اي فلم يوجد فيه دينزل واشنطن ان يكون مضمون النجاح …. الفلم يجعلك لاتلعم ماذا ستكون نهائته

    أنصح الجميع بمشاهدة فلم دينزل واشطن …. متأكد من إعجابكم بالفلم
    American Gangster
    شكرا لكم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.