Killing Them Softly .. رأسمال الجريمة

1

أواخر الحرب العالمية الثانية وما جلبته للعالم أجمع من دمار وانهيار اقتصادي عظيم، قرر قادة العالم المتقدم الاتفاق على نظام اقتصادي موحد يضمن الاستقرار لتجارة عالمية حرة وينظم سوق العملات والصرف بعد تردي حالة اﻷسواق المالية لما يشبه سوق ماشية، وزيادة معدلات التضخم والمضاربة والعشوائية في رفع وخفض قيم العملات، اجتمع قادة أكثر من أربعين دولة في “بريتون وودز” بالولايات المتحدة (وهو الاسم الذي أطلق على الاتفاقية فيما بعد) وتمخض عن ذلك المؤتمر ما يعرف اﻵن بـ “صندوق النقد الدولي” الذي نص على أن يتم تغطية العملات بما يوازيها من الذهب ضامناً بذلك استقرار أسعار الصرف تبعاً للناتج القومي وارتفاع أو انخفاض احتياطي الذهب للدول، كما تم اعتماد الدوﻻر اﻷمريكي كعملة مرجعية للصرف محددة بما يوازي 35 دولاراً لأونصة من الذهب.
ما حدث بعد ذلك، ومع نهاية الحرب الفيتنامية أوائل السبعينات من القرن الماضي كان الاقتصاد اﻷمريكي قد استنفذ وبلغ ذروة العجز فما كان بيدهم سوى طبع عملات ورقية من فئة الدولار دون أن يكون لها أي تغطية من الذهب في احتياطي الدولة تجنباً للإفلاس، فزادت معدلات التضخم وأنهك الاقتصاد أكثر فأكثر ومن ثم انسحبت أمريكا من اتفاقية “بريتون وودز” كلياً ولم تعد تضمن الدولار بالذهب كما هو متبع وحاولت إقناع العالم (وأظنها نجحت) بأن النفط أجدى ويمكن ضمان قيمة الدوﻻر عن طريقه.. ومن ثم صار الدوﻻر إلى تقهقر وتدهور حتى أصبح من يضمنه هو مجرد اسم الولايات المتحدة كقوة عظمى وامبراطورية اقتصادية لا يمكن أن تفلس.. وما زالت عملية الطباعة جارية حتى يومنا هذا!

هل تظن أن الثراء يأتي بسهولة؟ بمشهد مسرحي مهيب يُفتتح الفيلم.. الرئيس “أوباما” يلقي خطاباً في الخلفية، وصورة معبرة لانتخابات الرئاسة 2008 على لوحة إعلانية نصفها “أوباما” والنصف اﻵخر “ماكين” .. وكأنهما وجهان لعملة واحدة!.. أرض جرداء قاحلة وريح كفحيح اﻷفعى المتربصة، شابان محتالان يلتقيان على سابق موعد وينضمان سوية لرجل في أواسط الخمسينات يشرح لهما عملية سرقة سهلة سريعة، عليهما التنفيذ والتمتع بعد ذلك بثراء يضمن لهما رغد العيش مدى الحياة.. الخطة بسيطة وذكية، سطو مسلح على وكرٍ للقمار يديره محتال متحذلق.. ويحمي الوكر ثلة من أخطر وأقسى عصابات المدينة، لا يهمهم معاقبة السارق الحقيقي بقدر ما يهمهم أنهم عاقبوا أحداً وألقوا باللائمة عليه.. فالسمعة المخيفة لوكر المقامرة هذا ومدى حصانته هو سر نجاحه واستمراريته، المثير في اﻷمر أن مدير الوكر قام بسرقته ذات مرة ونفذ من العقاب بتوجيه التهمة إلى غيره الذي تحمل العقوبة بمجرد الاشتباه فقط ليقال أن شخصاً ما قد تلقى الجزاء الرادع! ولكن هذا المدير قام بعد ذلك بإفشاء السر في جلسة خمرية.. وقلة هم من سمعوه يتحدث عن ذلك.. فكانت تلك النقطة منعطف النجاح لهذين المحتالين الصغيرين، فبمجرد هربهما سيتم إلقاء التهمة على مدير الكازينو ويتحمل العقوبة بمجرد الاشتباه حفاظاً على سمعة الكازينو خاصة وأن له سابقة في هذا المجال!
ألا تذكرك القصة بحدث ما؟!

قواعد اللعبة أصبحت معروفة للجميع! المواطنون المثيرون للشفقة والباحثون عن الثراء السريع.. الغارقون في احتياجاتهم واستهلاكياتهم التافهة (مشهد تعاطي المخدر كان عبقرياً في هذه الناحية)، وبتوصيات من مديري محافظهم ومستشاريهم الماليين أصبحوا يعيثون في النظام المالي فساداً.. القروض تزداد يوما بعد يوم وبتسهيلات خرافية، الرهن العقاري أصبح نكتة لدرجة أن الشخص يرهن منزله مرتين أو ثلاثاً لمجرد القيام بنزهة حول العالم أو شراء قارب! أصبح القرض نفسه يباع ويشترى! وعلى الخط.. دخلت مؤسسات وشركات أجنبية لتشتري تلك القروض وتضارب بها في سوق الأسهم! كوريون وصينيون وعرب وأفارقة وحتى آيسلنديون يشاركون في المقامرة وسط تلك الفوضى العارمة، والحكومة تفلت الحبل على الغارب للجميع لينهش ويقطع .. ثم حلت الكارثة! لا تظنن بسذاجة أن نهب الخزينة وإفلاسها هي الكارثة، فوكر القمار يمكن إعادة تشغيله مرة أخرى بكل سهولة.. والمقامرون موجودون من شتى أصقاع اﻷرض وبإمكانهم ضخ السيولة واللعب مرة أخرى، ولكن من يضمن لهم أن سرقة أخرى لن تحدث مجدداً؟ إنها السمعة والشهرة أن لا جريمة تقع دون أن يؤخذ بجريرتها أحد.. وأن كبش الفداء متوفر دائماً.

“جاكي” (والذي قام براد بيت بلعب تلك الشخصية ببراعة) يحادث رئيسه قائلاً: “لايهم اﻵن من قام بتلك العملية .. قد يكون الشابان المحتالان مسؤولين عما حدث، قد يكون غيرهما.. لا يهم! سنبدأ بـ “تراتمان” (مدير الكازينو) رغم أني أعرف أنه ليس غبياً لهذه الدرجة ليقوم بالعملية مرة أخرى .. ولكن على أية حال سنقضي عليه وينتهي الأمر” ..
يستغرب الرئيس: “كيف ذلك؟ ظننت أنك تعلم أن تراتمان بريء” ..
يجيب “جاكي” بعبثية: “نعم أعلم ذلك.. ولكن الناس يخسرون مدخراتهم.. وإذا علموا أن تراتمان حي يرزق ستجد صفاً طويلاً من السارقين على باب الكازينو”!

في أواخر عام 2007 وبعد استمرار فشل جميع الخطط ﻹنقاذ الاقتصاد اﻷمريكي المتعثر ومع بداية 2008 اجتمع العديد من الخبراء ورجال الاقتصاد مع الكونغرس لوضع خطة نهائية لحل اﻷزمة وكان فريق من الاقتصاديين يرى التضحية بكبار الشركات اﻷمريكية ومن بينها مصانع السيارات الضخمة التي شارفت على اﻹفلاس وعدم إقراضها مجدداً وتركها لمصيرها المحتوم (وهو اﻹفلاس في النهاية)، في خطة راديكالية ولكنها منطقية بحسب المفهوم الرأسمالي.. لكن الحكومة أصرت على إنقاذها بخطة بلغت 700 مليار دوﻻر .. وبمزيد من العجز والتضخم .. ومزيد من طباعة “أوراق” ذلك الوهم المسمى دوﻻر!

يظهر فن الحوار على خلفية خطاب للرئيس السابق جورج بوش وهو يقول: “خلف كل التعقيدات والمشاكل التي يواجهها اقتصادنا هناك عامل بشري مهم.. الثقة.. يجب إعادة الثقة إلى اقتصادنا  لتسيير دفة الاقتصاد بسلاسة.. وحالياً الثقة في اقتصادنا باتت مهزوزة” .. يصل “ميكي” القاتل المأجور القناص!
مباشرة إلى البار .. وحوار شيق ممتع، من السياسة إلى الاقتصاد إلى الدين إلى الاجتماع والجنس، أحد أفضل الحوارات ﻷفلام هذا العام..
“يا للمفارقة! لقد تم اعتقالي بسبب بندقية صيد لم أطلق منها رصاصة واحدة” يقول ميكي.. القاتل المأجور!
“لن تشرب المزيد من الكحول اﻵن” جاكي وهو يربت على يد ميكي .. فيرمقه اﻷخير بنظرة حانقة .. “لقد كنت أشرب الكحول قبل أن تخرج انت من ذكر أبيك” !
نقاشات ممتعة .. ثم جدال تافه في الفندق لا يخلو من الطرافة العبثية .. ثم .. “لا أتلقى اﻷوامر من وضيع مثلك!” .. وكأنها إحدى جلسات الاستماع في الكونجرس المريض!
“جاكي” يهدد “فرانكي” في الحانة: “قليلون هم من يعرفوني.. لقد كنت أبحث عنك!” .. “لا أستطيع فعل هذا اﻷمر.. لا أستطيع أن أشي بمكان جوني” يقول فرانكي وهو يرتعد .. فيجيبه جاكي بلهجة تحمل الكثير من الوعيد: “هل تستطيع فعل العكس إذن؟”
وبمشهد ختامي رائع لا يقل عن سابقه الافتتاحي .. يشير الرئيس إلى التلفاز حيث خطاب أوباما التفاؤلي ويقول لجاكي: “هل تسمع ما يقول؟ إنه موجه لأمثالك”
“جاكي”: “لا تثر سخريتي.. نحن أمة واحدة؟ تلك أسطورة اخترعها توماس جيفرسون!”
“هذا الرجل يريدني أن أعيش في مجتمع؟ أمريكا ليست مجتمع.. في أمريكا أنت لوحدك.. أمريكا مجرد عمل .. واﻵن ادفع لي!”

brad-pitt-killing-them-softly-James-Gandolfini1

لا أستطيع إلا أن أقف مشدوهاً أمام الطريقة التي تم تصوير مشاهد الضرب والاعتداء على “تراتمان” فيها.. تحت المطر وصوت اللكمات يدوي عنيفاً .. يدفعك للإحساس بمدى اﻷلم ولوهلة تتخيل نفسك مكانه فتغمض عينيك وتشيح ببصرك قليلاً ويعيدك صوت تحطم اﻷسنان إلى المشهد مجدداً!.. مثالية متناهية في إطلاق الرصاص والتصوير البطيء لتحطم الزجاج .. ارتداد الزناد، كلوس أب رائع واستخدام للموسيقى واﻷغاني مثالي جداً، صوت “جوني كاش” مع تساقط المطر ووقع اقدام “جاكي” في مشهد الدخول إلى الفيلم كان له لذة خاصة بالنسبة لي.. وأخيراً مشهد السطو المسلح والصمت المطبق والتوجس العجيب الذي يخالط المشاهد كان في قمة اﻹتقان.

ما يعاب على العمل كمجمل (في وجهة نظري الخاصة) هو اﻹغراق في التوضيحية والتلميح الشديد الذي وجدت فيه بعضاً من إهانة ذكاء المتلقي .. حيث تم حشر خطابات الرؤساء في معظم المشاهد المهمة وبكثير من التصريح الزائد خصوصاً في مشهد السطو على الكازينو حيث من غير المنطقي أن يجتمع لاعبو البوكر على الطاولة وهم يستمعون لخطاب الرئيس! .. كان بالإمكان الاكتفاء ببعض المشاهد في البداية والنهاية ويستطيع المشاهد أن يفهم الرسالة بكل وضوح! .. ولكن لا ألوم المخرج خصوصاً إذا كان الفيلم موجها لجمهورٍ كالجمهور اﻷمريكي!

تعليق 1
  1. عبدالله يقول

    فيلم رائع ، والأروع قرائتك النقديه ، شكرا.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.