Moonrise Kingdom لا شيء يقف أمام حب الصغار

0

مميزة جدًا هي أفلام ويس اندرسون، أفلام ويس متفردة و خاصة للغاية، هو ذلك النوع من المخرجين الذي تستطيع تمييز فيلمه بسهولة، حتى لو شاهدت الفيلم و أنت لا تملك أدنى فكرة عمن قام بإخراجه مع مرور الوقت ستجزم بأن مخرج الفيلم هو ويس بدون شك.

منذ أن سمعت أن الفيلم سيفتتح مهرجان “كان” السينمائي و سمعت آراء النقاد عنه تحمست بشكل كبير للفيلم، خصوصًا أنني حينها لم أتابع سوى فيلم واحد له، ألا و هو “The Darjeeling limitid” و الذي لم يكن أفضل أفلامه بطبيعة الحال، و لم يجعلني مهتمًا بشكل كبير بأعمال المخرج الأخرى. مع الوقت اكتشفت أن الفيلم أفضل مما اعتقدت و حتى فترة قريبة تابعت عملين مهمين له، و تغيرت نظرتي تمامًا بخصوصه، التفرد الموجود في أفلام هذا الرجل خلاب للغاية و ساحر، طريقة اختياره للموسيقى و التوزيع في المشاهد عمل متقن بلا شك. ما يُميز ويس اندرسون أيضًا، هو تغليفه لأعماله بالكوميديا السوداء، و التي تتحول -في غالب الأحيان- إلى حدث مأساوي تراجيدي في الفيلم، أو على الأقل تحوّل مسار الفيلم إلى مسار سوداوي و منعطف حالك الظلمة.

قصة فيلم “مملكة طلوع القمر” تتمحور حول قصة حب بين طفلين، لوهلة سوف نقول أن هذا انحدار رهيب و روتينية مبالغ فيها بالنسبة لكاتب خلّاق مثل ويس اندرسون. فكم من فيلم تحدث عن العلاقات الغرامية البريئة بين الأطفال؟ و كم من فيلم نجح في إظهارها بالصورة المطلوبة؟ و كم من فيلم كان جريئًا كفاية لينسب بطولة الفيلم إلى أطفال؟ آخرها بالطبع تحفة مارتن سكورسيزي لعام 2011 “هيوغو”، و الذي تحدث عن صداقة طفلين حتى نكون دقيقين أكثر. نرجع لمحور الحديث، كما سبق و قلت أن قصة مثل هذه خطوة للوراء، لكن ليس إن قُدّمت بهذه الطريقة المميزة، و النص الصادق و الواقعي للغاية، ليس أن قُدمت بأسلوب بريء كبراءة الأطفال، اعتقد أن فيلم مملكة طلوع القمر هو أنضج أفلام ويس اندرسون، و هو أمر ساخر حقيقةً كون بطلي الفيلم هما طفلان.

استطاع الفيلم إدخالنا في أجواءه مباشرة و بدون مقدمات، في نفس الوقت لم نحس بأن الفيلم يدفعنا بسرعة مبالغ فيها، منذ البداية اكتشفنا أن الطفل “سام” قد هرب من معسكر الكشافة، مع مرور الوقت اكتشفنا أنه يتيم و أن أبواه بالتبني لا يريدانه بعد الآن. شيئًا فشيئًا تتضح الصورة بشكل أكبر و يبدأ الفيلم بالتفرع للقصص الجانبية. فنكتشف أن سام لم يكن محبوبًا على الإطلاق في المعسكر، و آل بيشوب “بيل موراي و فرانسيس مكدورمند” لا يعيشان زواجًا سعيدًا على الإطلاق، بل يمتد الأمر إلى أن الزوجة تخون الزوج مع الشرطي “شارب” (بروس ويليس). و بالطبع بطلة الفيلم “سوزي” -التي تقوم بدورها كارا هايوارد- لا تطيق العيش في منزلها.

أطلق ويس اندرسون العنان لموهبته في الإخراج في الفيلم، بالفعل قد يكون هذا أفضل أفلامه إخراجيًا، التصوير السينمائي في الفيلم كان غاية في الجمال و الأناقة، هناك الكثير من الصور العالقة في ذهني حاليًا، قد يكون أهمها مشهد لقاء العاشقان البريئان سام و سوزي، حينما توقفا بعيدًا عن بعضهما البعض في وسط المساحات الخضراء في صورة حابسة للأنفاس. و نحن معتقدون تمامًا أن هذه هي أول مرة يلتقي فيها سام سوزي، بينما في حقيقة الأمر هما يعرفان بعضهما منذ فترة ليست بالقصيرة، منذ سنة تقريبًا، حينما التقيا في مسابقة في صيف 64 في كنيسة ساينت جايمس و كانت سوزي أحد المتسابقين. ما أعجبني حقًا أن ويس اندرسون لم يبني للفيلم من هذه النقطة، كانت مدة الفيلم ستطول و قد نشعر ببعض الملل بسبب البناء البطيء و الذي يمكن تجنبه بسهولة -بل و بحنكة- كما فعل ويس، مجرد فلاش باك بسيط جعلنا مُلمّين بكامل أنحاء القصة و العلاقة التي تربط سام و سوزي.

الفيلم اقتبس اقتباسات من أفلام سابقة، ليس اقتباسًا مباشرًا في النص و لكن اعتبرها تحية لتلك الأفلام. أبرز هذه الاقتباسات هو اقتباس فكرة أول أفلام تيرانس ماليك BadLands الذي يتحدث عن شاب خارج عن القانون و فتاة صغيرة يتركان العيش في المدينة و يحاولان العيش في البراري متناسيان كم المشاكل و الهموم التي تلاحقهما من المدينة. المشهد الآخر هو مشهد الزواج في الكنيسة، حينما قال جيسون شوارتزمان :”خذ النسخة الكربونية، و اترك الإنجيل”، هذه العبارة و طريقة سياقها تذكرك بالعبارة الشهيرة في العرّاب حينما قال كليمنزا للشاب الذي معه :”خذ المسدس و اترك الكانولي”. و بالتأكيد لا ننسى مشهد المنارة و ظهور بروس ويليس المشابه لظهوره في الفيلم الرائع Sin City “مدينة الخطيئة”.

الحوارات كانت مميزة للغاية و قد نرى النص ينال ترشيحات مستحقة في محافل هذه السنة، بالذات تلك الحوارات التي دارت بين سام و سوزي في رحلتهما العظيمة لمحاولة الهرب من الواقع المرير، براءة الأطفال تحيط بهذه الحوارات بشكل لا يوصف، لعل أحد أكثر هذه اللحظات براءة هي محاولة سام و سوزي تطبيق القبلة الفرنسية و حديثهم عنها، حينما قالت سام :”يمكنك لمس صدري، اعتقد أنهما سينموان فيما بعد”. أيضًا لا أنسى المتعة الكبيرة في حوارات الشخصيات البالغة في هذا الفيلم، الفيلم ينطلق بسرعة كبيرة في هذه الحوارات بدون توقف و بدون تباطئ، حوار خلف حوار بمنتهى البساطة و السهولة، لعل ويس اندرسون من الكتّاب الذين يجعلونك تشعر بأن كتابة نص أو حوار هو أمر سهل للغاية، بينما في الحقيقة هو العكس تمامًا.

المستوى التمثيلي كان أكثر من رائع، من أكبر ممثل لأصغرهم، الجميع قدم عطاءً سخيًا، بروس ويليس يثبت يومًا بعد يوم أنه أكبر من مجرد نجم أفلام أكشن رخيصة، يملك بروس موهبة درامية مميزة ظهرت في أفلام كثيرة، و ظهرت بشكل جلي في هذا الفيلم. حتى إدوارد نورتن قدم أفضل أفلامه من فترة طويلة، افتتاحية الفيلم و ظهوره فيها تكفيني لأقول ذلك، الشاب الذي بالرغم أنه يأخذ وظيفته بجدية زائدة عن الحد فهو يفشل نوعًا ما في تأديتها على أكمل وجه، و يظهر بصورة كوميدية كلاسيكية للغاية، الشخص الذي يحاول جاهدًا و يفشل في كل مرة. بيل موراي يظهر -كعادته- كشخص فاشل عاطفيًا، و تقريبًا ظهر بهذه الصورة في معظم أفلامه التي تعاون فيها مع ويس اندرسون، لكن في هذا الفيلم يظهر بشكل أكثر غضبًا و عصبية، كيف لا و ابنته الكبرى تهرب من المنزل و زوجته تخونه مع الشرطي الذي يبحث عن ابنته. تيلدا سوينتن ظهورها في الفيلم كان إثبات للموهبة الاستثنائية التي تملكها تيلدا ليس إلا. الطفلان جاريد جيلمان و كارا هايوارد قدما أداءً مميزًا، من يصدق أن هذا الفيلم هو أول عمل سينمائي لهما؟ هما محظوظان للغاية، عطفًا على العمل مع مخرج رائع مثل ويس اندرسون و طاقم تمثيلي مخضرم فهما يصلان لمهرجان كان مع أول فيلم يمثلانه.

مملكة سطوع القمر هو مزيج من أفلام ويس اندرسون السابقة، تشابه كبير في تقديم الشخصيات و تشابه في بعض الحوادث، سبق و ذكرت تكرار شخصية ويس اندرسون كشخص فاشل عاطفيًا، مشهد الخيمة بين سام و سوزي حينما كانت سوزي غاضبة من سام ذكرني بالمشهد الرائع الذي جمع بين لوك ويلسن و جوينيث بالترو في فيلم The Royal Tenenbaums، شخصية إدوارد نورتن مشابهة لشخصية بيل موراي في فيلم The Life Aquatic with Steve Zissou، و العلاقة العاطفية البسيطة جدًا التي ظهرت في أواخر الفيلم بين إدوارد نورتن و السكرتيرة ذكرتني بالعلاقة التي جمعت أوين ويلسن و كيت بلانشيت في نفس الفيلم.

لا حاجة لي بالاستمرار في عميلة التعداد، ما نستطيع قوله و الجزم بقوله، أن فيلم مملكة طلوع القمر أحد أفضل أفلام 2012 حتى الآن.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.