Rush .. لا محفّز يدفعك للفوز سوى حب المنافسة

2

Rush-movie-latest-2013-1080p“في الرياضة الفردية، من المستحيل تقريبا أن تكون بطلا لفترة طويلة إن لم يكن لديك خصما شرساً منافساً مقاربا لك في المهارة. جاك نيكولاس احتاج إلى أرنولد بالمر، محمد علي كلاي احتاج إلى جو فريزر، مارفن هاقلر احتاج إلى توماس هيرنز، و رافاييل نادال لا يزال يحتاج إلى روجيه فيدرر.” ريتشارد روبير

يعود المخرج رون هاورد مرة أخرى إلى ذلك النوع المعين من الأعمال التي لا يستطيع أن يتقنها سوى عدد محدود من المخرجين، وأعني بهذا ذلك النوع الذي يمتزج بالأحداث الحقيقية والإثارة المستمدة من تلك الأحداث، فـ رون هاورد أصبح على مدى العقدين الماضيين سيد في هذا النوع من الأعمال، فعندما نتحدث عن Apollo 13 عام 1995 فلم يعد هذا العمل بالنسبة له مصادفة عندما أكد تفوقه ونجاحه في التحفة الخالدة A Beautiful Mind عام 2001، ليأتي بعد ذلك Cinderella Man عام 2004 ليكمل مسيرته وتفوقه ثم يأتي بـ Frost/Nixon عام 2008 و يستمر في ذلك إلى أن قدم Rush في هذا العام لينضم إلى تلك الروائع.

في هذه المرة يذهب بنا إلى دراما عالم الرياضة وبالتحديد إلى سباقات الـ “فورميلا ون” والمنافسة الشرسة التي وقعت في سبعينات القرن الماضي ما بين بطل العالم لسباقات الفورميلا ون ثلاث مررات النمساوي “نيكي لاودا” و بطل العالم لمرة واحدة البريطاني “جيمس هانت”. تعودنا من معظم أفلام السباقات بداية من الكلاسيكية Grand Prix مرورا بـ Le Mans وانتهاءا ببدايات توم كروز في Days of Thunder، تعودنا منها التركيز على أكشن وإثارة السباق أكثر من التركيز على تطوير الشخصيات ونموها عبر خطوط درامية محبوكة، ولكن على عكس ذلك في Rush لم نرى فقط تصوير مشاهد الاثارة والأكشن بأعلى جودة ممكنة ولكننا أيضا استطعنا أن نعيش مع شخصياته تطورها الذي كان لازما ولا بد منه لجعلها تصل إلى أعلى درجات الواقعية كما هي الأحداث الحقيقية، وهذا بدون شك يعود إلى النص المتقن من كاتب الفيلم بيتر مورغان عندما استطاع أن يعرض لنا شخصية جيمس هانت بهذه الطريقة، جيمس الذي لا يعرف الجدية تماما، جيمس الذي يسهر طوال الليل حتى ولو كانت ليلة سباق ولا يمل من الشرب حتى ولو كان قبل السباق بدقائق، نستطيع أن نقول بأن شخصية جيمس هانت هي من نوع تلك الشخصيات اللاهية التي لا تأخذ الأشياء على محمل الجد في معظم الأحوال. بدأت تتجه الأمور للأسوء بالنسبة لجيمس هانت عندما فشل فريقه في تأمين الرعاية من أحد الشركات حتى يُسمح لهم بدخول السباق، ولكن السوء لا يقف على هذا الصعيد فحسب; فعلى الصعيد الشخصي أيضا سائت علاقته مع زوجته سوزي بعد شجار حدث بينهم، إلا أن الحظ يبتسم مرة أخر لـ جيمس عندما يأتيه اتصال من أخيه بيتر يخبره فيه بأن أحد سائقي شركة ماكلارين قد تخلى عنهم وانضم إلى شركة أخرى، فها هي فرصة أخرى تتاح لجيمس ليعود إلى المضمار مرة أخرى. وعلى العكس تماما نرى شخصية نيكي لاودا العصامي والجدي في أموره، استطاع أن يشق طريقه إلى أن يكون بطل العالم في الفورميلا ون بدون أي مساعدة من أحد أو حتى مساعدة من عائلته الثرية، لا يختلط كثيرا وعلاقته مع فريقه يغلب عليها الجدية والجفاف، لا يريد منهم أن يحبوه كل ما يريده هو أن يبذلوا أقصى جهد حتى يضعوه في مقدمة السباق وهذا ما حصل عندما فاز ببطولة العالم عام 1975.

استطاع بعد ذلك بيتر مورغان أن يطور هاتين الشخصيتين إلى تغيّر أكثر ديناميكية من ذي قبل ورأينا ذلك عندما تخلت زوجة جيمس عنه لأجل الممثل الأمريكي ريتشارد برتون مما يزيد الضغط على جيمس ويضعه في موقف حرج أمام العالم، إلا أن هذه الحالة والوضع الذي وصل إليه جيمس أصبح أكبر محفّز له للفوز بالسباق والحصول على لقب بطل العالم. ولكن على النقيض، تطور شخصية نيكي بزواجه من مارلين أصبح عقبة أمام حياته المهنية الخطيرة، فما ان ذاق طعم السعادة مع زوجته حتى أصبح أكثر خوفا من خطورة السباقات، فالآن أصبح لديه شيء يخسره إذا أصيب بضرر، وجاء ذلك على لسانه في مشهد من أجمل مشاهد الفيلم عندما قال لمارلين: “السعادة هي العدو، إنها تُضعفني، تضع الشكوك في عقلي. فجأة أصبح لدي شيئاً أخسره.”

Rush-2013-Filmنقطة التحول الكبرى في الفيلم تأتي في مضمار “نوربورغرينغ” في ألمانيا أو كما يعرف بـ “المقبرة” والمعروف عنه بأنه أخطر مضمار في سباقات الفورميلا ون والذي قد حدث فيه الكثير من الحوادث ومات على إثرها الكثير من المتسابقين على مر السنين، الأجواء الممطرة والمكان المعروف بخطورته أجبرت نيكي ليضع تصويتا بين المتسابقين على أن يتم إلغاء السباق في مثل هذه الظروف ولكن إصرار جيمس على إقامة السباق وتأثيره على المتسابقين الآخرين أعاق ضد هذا الطلب وبالتالي بدأ السباق وحدث الحادث المؤلم لـ نيكي عندما اصطدم وعلق بالنيران لمدة أقل من دقيقة ولكن تأثيرها على جسد نيكي كان خطيرا جدا. استطعنا أن نرى بعد ذلك تعافي نيكي من تلك الحروق التي ألمت بوجهه ورئتيه فقد استطاع أن يتعافى في 42 يوم وهذا يعتبر وقت قياسي جدا، وقد عرفنا بعد ذلك سر هذا التعافي السريع جدا عندما صرح بذلك نيكي لجيمس بقوله: ” لقد كنت أنت المسؤول بدخولي للمستشفى وأنت المسؤول بخروجي منه بهذه السرعة.” في إشارة منه إلى أنه استطاع أن يتحمل كل ذلك الألم الذي عاناه في التعافي وهو يشاهد جيمس يفوز بسباق تلو السباق حتى يرجع إلى المضمار بأقصى سرعة ليتصدى له ويوقفه عن حصد النقاط. رجع نيكي إلى السباق ليصادف الجولة الأخيرة منه والتي على إثرها سوف يتحدد البطل من بينهم، يبدأ سباق الجولة الأخيرة لنرى أجواء الحماس تعلو وجوه الجماهير والمعلقين، وكل هذا بسبب رجوع نيكي لاودا إلى المنافسة، لنبدأ باستيعاب تلك الحقيقة التي تدل على أن أثر المنافسة بين جيمس و نيكي لم تتوقف عند تأثير العلاقة بينهم فقط بل وصلت إلى قلوب الجماهير لتشعل نار المنافسة بينهم وتدفعهم للفوز. فما ان بدأ السباق في تلك الأجواء الممطرة والخطيرة، ليبدأ التنافس مرة أخرى يعود إلى المضمار ما بين جيمس وهانت، وما ان احتدت المنافسة بينهم وبدأت الأجواء تصبح أكثر خطورة حتى تبدأ تلك اللقطات تظهر ما بين عيني نيكي، صور من حياته السعيدة، صور مما يمكن أن يخسره، صور من زوجته وحب حياته، حينها يبدأ في استيعاب حقيقة ذلك الخطر، حينها يبدأ يفكر ويقدم العقل على العاطفة، ليخرج بنتيجة هي الإنسحاب، فالآن أصبح لديه من يمكن أن يخسره، نعم فقد اختار نيكي أن ينسحب من السباق لخطورته، فهو لا يريد تكرار ما حدث قبل 42 يوم، والأهم لا يريد أن يخسر ما يملكه. وبذلك يصبح الطريق بالنسبة لجيمس سهل جدا والفوز باللقب ليس ببعيد، فها هو يعبر خط النهاية ليتوج ببطل العالم في الفورميلا ون لعام 1976.

في الحقيقة لا شيء في هذا الفيلم يفوق جمال المشهد الأخير والحوار الذي دار بين نيكي وجميس، فهو مشهد وحوار يلخص وبشكل شامل جميع ما يمكن أن يمثله الفيلم، وكل ما يمكنك أن تستفيد منه. ففيه سأل نيكي جيمس عن موعد استعداده للموسم المقبل، ليأتي الرد من جيمس بانه لا ينوي العودة مبكرا، لتأتي ردة فعل نيكي تعلوها المفاجأة، فهو يريد جيمس بأن يرجع إلى السباق، يريد المنافسة أن ترجع مرة أخرى، فالدرس الأكبر الذي تعلمه نيكي عندما كان يستعيد عافيته في المستشفى هو كما جاء على لسانه يوم أن قال: “يوم أن كنت أستعيد عافيتي، جائني الدكتور وقال لي: لا تفكر فيها كلعنة أن يكون لك عدو في حياتك، فأحيانا من الممكن أن تصبح نعمة.” فهو يريد من جيمس أن يرجع إلى المنافسة لأنه ذاق طعم لذة تلك المنافسة وأيضا يريد أن يستعيد تلك الحياة المليئة والمفعمة بالحياة.

ان كان هناك ما يجعل لهاتين الشخصيتين تأثير على المشاهدين بهذا الشكل وهو ما حصل فهو بدون شك سيذهب فضله إلى الأداء المميز من بطلي الفيلم، دانيال برول قدم أداءا بمستوى ترشيح أوسكاري، فمشاهده مع زوجة نيكي كان يقوم فيها بعمل أكثر من رائع، فمشهده الذي حاول أن يثير إعجابها به عن طريق قيادته السريعة، ومشهده عندما حاول أن يخبرها خوفه من خسارتها، ومشهده عندما أظهر تعابير وجه نيكي عندما انسحب من السباق وهو ينظر إليها، كلها في الحقيقة مشاهد تعبر عن موهبة مميز يملكها دانيال وهو حقا أداء بترشيح اوسكاري مستحق.

إذا رأينا سينماتوغرافر مبدع بحجم انتوني مانتل في قائمة العاملين في الفيلم فبالتأكيد سنطمئن من ناحية جمالية الصورة، فقد استطاع أن يصبغ الشاشة بألوان متناسقة وجذابة وخصوصا مشاهد السباق والتركيز على كثير من الأجزاء مع عدم التهاون في مواكبة فترة السبعينات وإحياء جميع تفاصيلها. وبالتأكيد إذا رأيت اسم هانز زيمر متصدرا لتلحين الموسيقى التصويرية لأي فيلم فإنك تعلم أنك بانتظار موسيقى خلابة وساحرة تجعلك تعيش أجواء الحدث بأفضل ما يمكن، في Rush زيمر بموسيقاه الخلابة استطاع أن يضيف لمسته المميزة على جميع مشاهد الفيلم المصحوبة بالموسيقى، وينقل المشاهد إلى أجواء الفيلم من حركته وإثارته انتهاءا بدراميته.

2 تعليقات
  1. wamback يقول

    اكثر شيئ حمسني للفيلم هانز زيمر.. الأفضل في العالم بدون منازع

  2. ابو غانم يقول

    الإخراج :10
    القصة :10
    الحبكة :10
    الأداء :10
    الموسيقى التصويرية :10
    تقييمي النهائي 10/10 فيلم داعب احاسيسي يستحق هذا التقييم

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.