Side Effects .. معضلة الذنب

0

side-effects-movie-poster1

أمر غريب حقيقة عندما تشاهد فيلم مميز في النصف الأول من السنة تقريباً ولا يحمل أي ضجة أو حتى اهتمام يذكر من الجمهور والمتابعين للسينما بشكل عام , إلا ان هذا الفيلم يقدم للمشاهد قيمة فنية راقية وتجربة سينمائية مميزة جداً وأعتقد أنها ستكون فريدة بتميزها لهذا العام . هذا مافعله المخرج Steven Soderbergh في فيلمه Side Effects . بالنسبة لي كان فيلم “أعراض جانبية” تجربة مثيرة وغامضة حملت معها الكثير من الأسئلة والأفكار والطرح الجريء والمميز سواءاً بطريقة السرد أو حتى بأسلوب التعامل مع شخصيات العمل . يحكي الفيلم قصة إيميلي تايلور المريضة النفسية بمرض الاكتئاب وهي تعاني من أعراض مرضها إلى درجة تصل بها لمحاولة قتل نفسها عن طريق الدخول عمداً في حادث سيارة , تضطر بعد ذلك إيميلي إلى مراجعة الطبيب النفسي لمتابعة حالتها النفسية المرضية وتتفق مع الطبيب النفسي الدكتور بانكس . ومع الدكتور بانكس تبدأ بعض الأعراض الجانبية الغريبة التي تظهر على إيميلي نتيجة علاجها من الدكتور بانكس . بعد ذلك تتحرك الأحداث لتأخذ المشاهد في قصة مثيرة ورائعة جداً عن بانكس وإيميلي.

side_effects_014910

منذ المشهد الأول في الفيلم وافتتاحية الفيلم , يفتتح المخرج هنا بمشهد غريب وزاوية إلتقاط للصورة أغرب وفي نفس المشهد نشاهد دماء على الأرض ! بهذه الطريقة يفتتح المخرج فيلمه قبل أن يأخذ المشاهد إلى الشخصيات الرئيسية في فيلمه وهي ايميلي وبانكس , نقطة لعلها تميز الفيلم كثيراً هي البساطة في تعامل المخرج مع رسم شخصيات العمل وبدون تعقيد لا داعي له يعود المخرج قبل ثلاثة أشهر من المشهد الافتتاحي الغريب والمثير إلى أن يقدم شخصية إيميلي بأسلوب مباشر يظهر فيه شخصية مشتته وضعيفة جداً تذهب لزيارة زوجها في السجن ومن ثم تستقبله وهو يغادر السجن , وفي نفس الوقت تتقدم شخصية الدكتور بانكس لتلتقي بإيميلي بعد محاولة انتحارها في حادث السيارة. الشخصيتين هنا تبدو مثاليتين طبيب متمكن من عمله وإمرأة تحتاج لمساعدة الطبيب في مرضها النفسي.

يفضل أن لا تقرأ ان كنت لم تشاهد الفيلم:
الأحداث في الأصل تتمحور حول شخصية الدكتور بانكس وكيف صورت هذه الشخصية بتركيبة معقدة ومثيرة من طبيب متمكن ومحترف في عمله ومحب لعائلته وأناني ومحب للمال في نفس الوقت , شخصية الدكتور بانكس بتعقيدها وتركيبتها الغريبة وحتى المتناقضة هي محور الفيلم بينما كانت حادثة إيميلي المريضة النفسية التي تتعالج من الإكتئاب عنده كأحد مرضاه هي من تحرك تلك القصة نحو شخصية الدكتور بانكس المعقدة . الفيلم بهذه الطريقة يأخذ منحى وطرح لرؤية بعيدة بعد أن صور لنا ماتطور من علاقة الدكتور بانكس وإيميلي وكيف أنها قتلت زوجها بسبب أعراض جانبية للدواء , هنا المخرج يعرض لنا القاتل والمقتول والمذنب كما نشاهده جميعاً إلا ان البعد في قصة كهذه كان في من كان يتحمل المسؤولية ومن هو المذنب في قتل الزوج , الفيلم هنا يعرض جريمة القتل وفي نفس الوقت يطرح على المشاهد معضلة أخلاقية في تحديد إلى أي جانب تقف الحقيقة أو على من يضع اللوم فالمشاهد في هذه الفترة من الفيلم يصبح يتعاطف مع الشخصيتين الرئيسيتين الدكتور والمريضة . يجاوب الفيلم على هذه المعضلة في النهاية ويحل ماطرحه من تساؤل وردت على المشاهد أثناء المشاهدة وبعد جريمة القتل , لكن مايميز الفيلم هنا هو في طريقة تحريك كل الأحداث حول شخصية الدكتور بانكس ليبقي في المشاهد الطرح والتساؤل عن البعد الأخلاقي للقضية على الرغم من أن الأحداث في الفيلم بدأت تظهر القضية من أصلها وحقيقتها على الشخصيتين.
النص في الفيلم سار به إلى أفضل مايمكن وأعطى للمخرج الإمكانية لصنع عمل متقن ومثير ومتماسك جداً حتى في أدق التفاصيل مثل بعض الكلمات والعبارات الدالة على وضع وحالة إيميلي شخصيات الفيلم . الفيلم أيضاً يسرد بطريقة غريبة تجعل من المشاهد يشاهد قصة تتغير تماماً إلى قصة مختلفة كلياً , في بداية الفيلم يعرض قصة مريضة نفسية ومن ثم يأتي الحدث الغير متوقع من تلك المريضة فتتحول القصة تماماً إلى قصة جريمة وأحداث بوليسية في المحاولة للوصول إلى الحقيقة , هذه النقطة برأيي تفصل الفيلم إلى نصفين نصفه الأول قصة درامية تراجيدية ونصفه الثاني قصة جريمة قتل وهذا الشي ربما يعتبره البعض نقطة سيئة في الفيلم إلا أني أراها تحول جيد أضاف من ناحية تصاعد الأحداث والمفاجأت إلا أن الحديث هو عن أن النصف الأول التراجيدي تميز أكثر بالعمق في شخصية إيميلي المثيرة والمريضة حيث كانت شخصية إيميلي في النصف الأول من الفيلم تأخذ مساحة أكبر , لكن هذا لا يعني بأن الجزء الثاني سيء وهو الذي تحولت فيه القصة إلى قضية وجريمة ذات بعد أخلاقي في الطرح على المشاهد.

SideEffectsJudeLawOvercoat

يبقى أن أشير إلى إعجابي الكبير بأداء الرائع “جود لو” في الفيلم , جود لو قدم شخصية معقدة ومركبة بطريقة صعبة جداً وتمكن منها بشكل رائع ومبهر وبكل أمانة لم أعتقد أن جود لو بإمكانه تقديم مثل هذه الأدوار من قبل , لكن بعد دوره هنا في فيلم “أعراض جانبية” فبالتأكيد تغيرت نظرتي له . على الجانب الآخر كان حضور “كاترين زيتا جونز” في الفيلم سيء ولم يعجبني كأداء نهائياً لأن في الأصل الدور لم يكن مناسباً لممثلة مثل كاترين هنا وحتى في أسلوب تمثيلها مبالغة من ناحية التعابير وردات الفعل مما جعلها بالنسبة لي مأخذ سيء على الفيلم.

في النهاية فيلم “أعراض جانبية” هو حتماً تجربة سينمائية مثيرة ومثرية لهذا العام على الرغم من أن الفيلم لن ينافس على جوائز أو شي من هذا لكن المؤكد للمشاهد هو أنه سيخوض تجربة سينمائية ممتعة تغوص به في شخصيتين مثيرتين على البعد الأخلاقي تحملهما قصة وجريمة ذكية وعبقرية تظهر بعد الآمال الانسانية في العلاقة والمستقبل الشخصي , حتى وإن حمل الفيلم بعض الثغرات أو الضعف في السيناريو وتسلسل الأحداث إلا أنها أبداً لا تأخذ بعيداً حقيقة كون الفيلم كان مميزاً في طرح قصة مثيرة وغامضة مثل هذه وتعامل معها بطريقة على الأقل كانت ممتعة ومثيرة للمشاهد , وتحقيق المتعة للمشاهد شيء صعب وإن تحقق من فيلم فهو نجاح للفيلم من ناحية معينة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.