The Newsroom .. مفهوم جديد للدراما السياسية

0

 للكثيرين من أبناء جيلي الذين عاصروا المسلسل الشهير The West Wing ووقعوا في غرامه نهاية التسعينات وبداية اﻷلفية الجديدة.. قد يكون هذا المسلسل حلماً قد تحقق.

يبدأ المسلسل بداية عبقرية ﻻ أستطيع سوى أن أهنئ الكاتب والمخرج “آرون سوركين” عليها حيث أنه جذبني منذ الوهلة اﻷولى بسؤال تافه عقيم ما يزال يردده الكثير من اﻷمريكيين ببلاهة متجذرة وانعدام تام للمنطق: “ما الذي يجعل أمريكا أعظم بلد في العالم؟”

“ويل ماكفوي” مقدم اﻷخبار الناقم على مهنته التي تحولت إلى أشبه ما يكون ببرنامج ما يطلبه المشاهدون، حيث يتم حشو أذهنة المتابعين بما يريدون سماعه من أخبار معدومة الفائدة وقصص بطولية زائفة وحقائق مشوهة وتلاعب في المواضيع لصالح أطراف بعينهم وتحكم رأس المال في الحقيقة المطلقة.. يشارك “ويل” في مقابلة تلفزيونية مع اثنين من زملاء مهنته أمام جمع من طلاب المدارس السطحيين الذين لا تختلف المناهج التي يدرسونها عن طبيعة اﻷخبار التي يقدمها، فتسأله إحداهن السؤال المذكور أعلاه، يتفاداه ويل بإجابة طريفة وبحس فكاهي عرف عنه متجنباً إثارة الحساسية والنطق بالحقيقة كما يراها هو وكما تنص عليها اﻷرقام واﻹحصائيات، فقط ﻷن اﻹجابة لن تعجب المشاهد اﻷمريكي وستجلب له شخصياً المزيد من الخصومة والقطيعة مع اﻷوساط اﻹعلامية كافة.. ولكن مقدم البرنامج يصر على أن يجيب “ويل” بإجابة واضحة محددة لا أن يلتف على الموضوع بسخريته المعهودة …. وفجأة ينفجر “ويل” !

كان هذا المشهد كافياً أن أتشبث بمقعدي، مزيحاً ما على طاولتي من خطط لمشاهدات مستقبلية، وأبحر في عالم اﻹعلام السياسي كما ينبغي أن يكون!

ما يميز المسلسل عن غيره أنه حاليّ.. واقعيّ.. معاصر، وكأنك تشاهد أحد برامج الـ Reality TV .. تخيل جميع اﻷحداث التي مرت خلال السنة الماضية وكيف كانت تقدم عبر شاشات اﻷخبار بلا مهنية أو موضوعية، كيف أن الخبر وتداعياته كان متغيراً حسب إبهامك وأنت تتنقل بين القنوات! هناك أخبار يمينية.. وأخرى يسارية، هناك من هو متحفظ ومن هو ليبرالي، ولكلٍ وجهة نظر خاصة في صياغة الخبر، وبين هذا وذاك تضيع الحقيقة! .. تخيل بعد هذا كله قناة تقدم لك الخبر كما ينبغي أن يقدم، لا تراعي في صياغته أي اعتبار سوى الخبر نفسه، تتوخى الدقة في طرحه بلا محاباة لجمهوري أو ديموقراطي أو حتى لمالك القناة .. إنها قناة الحلم! قناة آرون سوركين الافتراضية ACN.

يعج العمل بالكثير من الشخصيات المتناقضة، أحدها كانت “ماكنزي” والتي قامت بدورها الرائعة “إيملي مورتيمر”، صديقة “ويل” السابقة والتي عادت من الخارج متخلية عن عملها كمراسلة لتكون رئيسة فريق التحرير لغرفة اﻷخبار، علاقتها المتكهربة بـ “ويل” ومن ثم ما ينتج عن ذلك من أحداث ومنعطفات درامية كانت المرتكز الرئيسي للكاتب والمخرج “سوركين” في إظهار الجانب اﻹنساني والشخصي لأبطال المسلسل وكيف أنهم أشخاص عاديون يصيبون ويخطؤون ولكنهم دائماً ما يصغون لبعضهم البعض بحثاً عن الحقيقة، يقعون تحت الضغط وإشاعات الصحف الصفراء والابتزاز قد يصل أحياناً لتهديد مالكة القناة وأعضاء مجلس اﻹدارة، ولكن كل ذلك لا يثنيهم عن التمسك بالواقع وإظهار ما يرونه واقعاً وصحيحاً للمشاهد حتى وإن كلف ذلك خسارتهم لوظيفتهم.

هناك العديد من الاقتباسات والمفاهيم في هذا المسلسل التي تثير الانتباه وتستحث العقل على التفكير، “ويل” يعرّف الحياد بأنه التحيز للحقيقة وليس الوقوف على مسافة متساوية بين الطرفين فهذا في نظره ليس حياداً إنما ترك الحبل على الغارب ليتفوه كل شخص بما يريد.. يصرعلى أن يقوم المذيع الجيد بمتابعة السؤال إذا كان الجواب غير مرضياً أو به إجابات التفافية ومعلومات مزيفة، وهو بالفعل ما سئمنا مشاهدته في البرامج الحوارية واﻹخبارية حيث يقوم المذيع بطرح السؤال وترك الفرصة للضيف ليقول كل ما يريد ويشوه كل حقيقة بلا أي تدخل من المذيع ليستوقفه هنا وهناك حتى وإن لم يجب على السؤال أصلاً وكأن البرنامج فقرة إعلانية مجانية له! .. “من اللحظة وصاعداً لن نقدم لكم سوى الحقيقة ولا شيء سوى الحقيقة، لا يوجد شيء أهم للديموقراطية من ناخب مطلع على الحقيقة”، المذيع الجيد عليه أن يظهر رأيه ويقول ما يعتقده في مسألة ما دون خوف من اتهامه بعدم الحياد.. فهو شخص مثقف له رأيه في النهاية وليس مجرد قارئ للأخبار.

ما يثير الاستغراب أن “ويل” جمهوري! بل هو أحد اﻷعضاء المسجلين بالحزب! .. في لفتة ذكية من الكاتب لنفي الكليشيهات المعتادة من الأمريكيين بأن كل جمهوري محافظ وكل ديموقراطي ليبرالي، يحاول “ويل” من فترة ﻷخرى إصلاح الحزب الجمهوري حسب استطاعته باستضافة أشخاص بارزين من الحزب أو عرض مرشحي الحزب لمجلس النواب على شاشته ليتم تقييمهم من الناخبين قبل اﻹدلاء باﻷصوات، ولكنه يفشل في كل مرة يحاول فيها ذلك لمحاربة أعضاء الحزب له واتهامه بالليبرالية وانسلاخه من مبادئ الحزب كما يزعمون! يدعو إلى تطهير الحزب من الدخلاء الجدد وأعضاء حزب الشاي المتطرفين ويعرض فضائح جهلهم وتخلفهم في كل مرة يجد فيها الفرصة لذلك، ثم يصاب باليأس من تغير الحال! .. يسخر منه الجمهوريون.. فمتى رأيت جمهورياً معارضاً لقانون حمل السلاح في أمريكا؟!! .. الكوميديا حاضرة في ثنايا المسلسل، مقالب طريفة وعبارات تتسم بالظرف المثقف، “ويل” يلقي أهم خبر في العام تحت تأثير الماريجوانا!.. علاقات الطاقم العاطفية وما تحويه من مواقف مضحكة أحيانا وقاتمة أحياناً أخرى، تحرك الكاميرا الذكي واﻹخراج الرائع يجعلك أقرب للواقعية.. تماماً كالمسلسل.

جرأة رائعة في ابتكار هذا المسلسل، لا شخصيات وهمية في اﻷحداث، كلٌ باسمه، لا قصص وهمية أو أخبار تخيلية.. كل شيء حدث بالفعل، من حادثة تسرب النفط على الساحل إلى مقتل بن لادن مروراً بالتسريب الإشعاعي لمفاعل هيروشيما .. دروس في المهنية، التغطية.. المراسلة.. الالتزام بحماية المصدر.. الصحافة الحرة.. والجرأة ثم الجرأة.. ومن أجرأ من HBO لتقديم مسلسل مجنون كهذا؟

مشاهدة ممتعة.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.