The Sweet Hereafter مأساة مجتمع

0

تدور أحداث الفيلم في قرية صغيرة يسكنها مجموعة بسيطة من الناس تصاب بمأساة تمزق هذا المجتمع البسيط بالحزن والندم والفراغ. يزور هذه القرية محامي مختص يبحث في امكانية رفع قضية على المسبب لهذه المأساة وأخذ الحق بما فيه الإمكان لتفادي مثل هذه الحوادث. من الوهلة الأولى للفيلم ينتاب المشاهد شعور بهدوء الفيلم وأحداثه بطريقة ذكية بعرض شخص عالق في مغسلة للسيارات مع موسيقى غريبة بهدوء ومشاهد طويلة. يعرض الفيلم شخصيات كثيرة تمثل هذا المجتمع البسيط في هذه المنطقة الصغيرة والباردة والمليئة بالثلوج, ظهور الشخصيات الكثيرة مع بداية العمل كان نوعاً ما مميز بالأسلوب الذي أظهر فيه المخرج هذا العمل واستخدامه لتسلسل زمني مبعثر يضع المشاهد في وضع يبحث فيه عن أحداث القصة الرئيسية مع البحث في الشخصيات الرئيسية باستخدام الفلاش باك بطريقة ذكية. العمل يضع أكثر من خط زمني يسير عليه في أحداثه إلى ان تكتمل للمشاهد الصورة والرسالة كاملة بطريقة شاعرية ولمسة عميقة في شخصيات الفيلم ليرسم المخرج فكرته بهدوء وأسلوب عبقري.

 

ما يبحث فيه هذا العمل بتقديمه شخصيات سكان القرية الصغيرة بهذه البساطة وهذه الدراما أو التراجيديا هو في عرض الفراغ والمصاعب العاطفية التي تواجه سكان هذه القرية فحتى تقريباً كل شخصية عرضت يظهر للمشاهد بأنها عانت في الماضي من مصاعب عاطفية من وفاة من يحب أو مرض أو خيانة وهي كلها تصور هذا المجتمع المترابط لصغره لكنه في الحقيقة متفكك لخلو حياة سكانه من الهدف ومواجهتهم لمصاعب ومآسي كبيرة بعثرت من حياتهم بشكل كبير.

بالأسلوب الذي اتبعه المخرج في بعثرة النص والتسلسل الزمني للمشاهد بطريقة ذكية يظهر للمشاهد بأنه الحادثة قد وقعت في بعض المشاهد وفي مشاهد أخرى لم تقع تلك الحادثة بعد, بهذا الأسلوب يبعد المخرج تماماً مشاهديه أهمية عن الحادثة نفسها ليجعل المشاهد يكتشف حقيقة هذه الشخصيات بطريقة ذكية تمنع حتى التكلف الذي كان ممكن أن يكون لو عرضت الحادثة بشكل مفصل, المخرج هنا يلقي اهتمام بسيط بالحادثة والمأساة ويمتلك المشاهدين في بحث أعماق شخصيات سكان هذه القرية. حتى بعد وقوع الحادثة لم يكن الضوء على الحادث بل كان على المشاعر والمصاعب التي واجهت هذه الشخصيات والشعور بالذنب في هذه الحادثة بأي شكل كان كل هذا يرجعه المخرج في هذا العمل للمصاعب التي واجهت كل شخصية من سكان هذه القرية ومزقته في الماضي عاطفياً, من رجل توفيت زوجته بالسرطان إلى مراهقة تمارس الجنس مع والدها يظهر هنا هذه الحياة المؤرقة لهذه الشخصيات حتى قبل هذه الحادثه مما يعطي للمشاهد الفكرة في أن حتى بعد الحادثة المأساوية ووفاة أغلب أطفال القرية إلا ان الحزن والغضب والندم ينتج من حياة كاملة امتلت بمثل هذه المآسي والصعوبات العاطفية. وهذا أيضاً ما يجعل لأغلب الشخصيات في هذا العمل أخلاقيات يشكك بها المشاهد من خيانات ومخدرات يصور فيه المخرج هنا هذه الشخصيات وكيف أصبحت حياتها حتى مليئة بالمشاكل الأخلاقية. الحادثة هي كانت بمثابة النقطة التي أظهر بعدها العمل كل أسرار شخصياته بطريقة هادئة وتراجيدية وحتى شاعرية باستخدام مقتطعات لقصيدة أضافت عمق لبعض المشاهد مع رواية نصوص هذه القصيدة.

الشيء المميز حقيقة في هذا الفيلم هو عمل المخرج بقدرة كبير على اخراج مشاهده وهي مفعمة بالمشاعر وبالحزن والكآبة أضاف هذا الأسلوب قيمة كبيرة للعمل واستطاع من خلاله يظهر كل شخصياته بشكل رائع وعميق, مشاهد طويلة وكاميرا متحركة تلتقط مناظر ثلجية لهذه القرية الصغيرة وحتى مع الموسيقى المميزة تضع لهذه المشاهد بعد وعمق مميز ليس من الشائع مشاهدته في أعمال درامية أخرى بهذا الاتقان والبساطة.

النصف الثاني من الفيلم كان أكثر تراجيديا خصوصاً انه يتبع للمأساة التي واجهتها القرية وهذا أزاح كل ما يغطي أسرار سكان هذه القرية وحتى المحامي الذي يعبر عن ابنته التي مازالت حية بأنه فقدها إلى الأبد بسبب انكسارها والمشاكل التي أوقعت نفسها بها, ليظهر في مشهد مع رجل الورشة “انسل” الذي قد فقد أبنائه في الحادث والمحامي يخبره عن ابنته بدون سبب منطقي فكيف يخبر الغريب عن ابنته مدمنة المخدرات وأنه يتوقع اتصال من الشرطة لإخباره بوفاتها, فكان رد المحامي على سبب اخبار “انسل” هذه المعلومات عن ابنته هو أنه قد فقدها أيضاً وأن ابنائنا موتى الآن بالنسبة لنا, ليظهر هذا المشهد ليكشف شخصية المحامي وسره وسبب حتى أصلاً اهتمامه الكبير بهذه الحادثة هو ضميره واحساسه بالذنب تجاه ابنته وضياعها منه وهو أيضاً ما يظهر على سكان هذه القرية بطريقة أو بأخرى. نقطة أضافت كثير للعمل هو اختيار المخرج لطاقمه بهذه الطريقة, للأمانة مع بدايات الفيلم ومع أول نظرة لكل الشخصيات لا ترى أي جذب لهذا العمل بطاقمه إلا أن الإضافة هنا التعامل الرائع من المخرج في صنع شخصياته بهذه الطريقة لتكمل المعنى الذي يحاول رسمه للمشاهد وصنع صورة متكاملة يكشف أسرارها بطريقة ذكية واختيار الممثلين كان من أهم هذه العوامل وحتى كأداء شخصي من الممثلين لم أتصور أي تميز لكن صُدمت صراحة بأداء عظيم وشخصيات رائعة جداً تعامل معها المخرج بطريقة ممتازة جداً ومتقنة. ومضاف على عامل الطاقم المميز هو الأجواء التي صنعها المخرج ليوصل فكرته بهذا الأسلوب والاتقان من موسيقى وحركة سلسة للكاميرا بين شخصياته وأبعاد الصورة في مناظر ثلجية مثيرة كلها عوامل تصنع وتضيف الكثير للفيلم بهذه الطريقة.

في النهاية هذا الفيلم بالنسبة لي كان تجربة عظيمة وتجربة لا تنسى كعمل فني وفيلم مميز بأسلوبه وحتى بفكرته تركني مذهول بكمية المشاعر التي حملتها في الفيلم وتفاعلت معها بطريقة مؤثرة. قرأت قبل مشاهدته عن أن بعض المشاهدين يعتبره أفضل أفلام التسعينات وهي الحقبة التي يعتبرها الكثير من المتابعين الأفضل في تاريخ السينما فتوقعت أن يكون كلام مبالغ فيه وأراء فقط لكن بعد مشاهدتي له أدركت تماماً أحقية بعض المشاهدين بهذا الزعم, أخيراً أقول انه لن يكون الفيلم المناسب للجميع ولن يراه الجميع كما أعتقد فيه أنا أو غيري ممن أعجب به لأنه حقيقة فيلم ليس للكل فهو إما أن تعظمه أو تكرهه تماماً برأيي وهذا لا يعني ان من لا يعجبه الفيلم يكون قد أخطأ في فهمه, لكن هو مجرد عمل متميز ومتفرد لن يروق للجميع.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.