The Thin Red Line الحرب من منظور تيرانس ماليك

0

حينما قرر تيرانس ماليك صناعة فيلم يتكلم عن الحرب، انهالت العروض من الممثلين عليه لمحاولة الحصول على دور و لو كان صغيرًا في فيلمه الجديد، هذا أمر غير مستغرب إطلاقًا، تيرانس ماليك أخرج فيلمان استثنائيان في السبعينات، أثبتت للعالم أنه مخرج فريد من نوعه، أول أفلامه كان “Badlands” عام 73 الذي ابتدأ به مشوارة بطريقة ممتازة، و حوارات و مشاهد خلابة، و أداء ممتاز للمثل المغمور آنذاك “مارتن شين” و الشابة “سيسي سباسيك”، يتحدث الفيلم عن الشاب و الفتاة اللذان يحاولان ترك صخب المدينة و العيش في الغابات. ثم أتبعه بفيلم آخر في عام 78، أيام النعيم أو “Days of Heaven” الفيلم الذي رُشّح من خلاله لسعفة كان الذهبية، و كان فيلمًا بصريًا استثنائيًا بدرجة أولى، زوايا التصوير الساحرة و الطبيعة المذهلة في الفيلم كانت العنوان الأبرز، و يقال أن تيرانس كان يترك التصوير فجأة إذا وجد شيئًا مثيرًا للاهتمام و يستحق التصوير، حشرة صغيرة مثلًا! حتى حوارات الفيلم و صوت الراوية “الطفلة الصغيرة في الفيلم” كانت لمسات فنية عالية الجودة؛ حتى الفيلم تضمن بعض الإسقاطات المهمة في سياقه.

ثم غاب تيرانس ماليك أكثر من عشر سنوات، مختفيًا عن الأنظار، و ربما تاركًا الجميع يعتقد أنه ترك هذه المهنة إلى الأبد، لكنه عاد في التسعينات بالفيلم الحربي الخالد “الخيط الأحمر الرفيع”، و هو حسب ما سمعت فيلم مارتن سكورسيزي المفضل في عقد التسعينات، و بنظري و رأيي المتواضع هو أحد التحف القليلة في ذاك العقد، و أحد أفضل الأفلام الحربية على الإطلاق.

ما يميز فيلم الخيط الأحمر الرفيع، هو أنه ظاهرياً فيلم حربي، و من البوستر و القصة و من النظرة الأولى تعتقد أنك تتابع فيلم حربي، لكن الفيلم لم يتمحور حول ذلك على الإطلاق، هو فيلم عن تأثير الحرب في نفوس الجنود الذين هم الضحايا في نفس الوقت، عن تأثير الجنود على بعضهم البعض و الروابط الإنسانية الأخوية العميقة التي تربطهم، عن العلاقات بينهم و بين قادتهم، و احتمالية إرسالهم للموت في أي لحظة. الاعتماد في الفيلم كليًا على ملامح وجه الجنود، بعض الممثلين لم يملكوا حوارات، لقد كُلّفوا برسم علامات الخوف و الجزع في وجوههم، و هذا ما رأيناه في الوجوه طوال الوقت، خوف و جزع و ترقب و توتر و كوكبة أحاسيس متضاربة و مختلطة، كما اختلاط الجنود، بين صغير و كبير، خبير و مبتدئ، بين رحيمٍ و قاس.

أثناء متابعتك للفيلم ستتذكر اقتباسًا رائعًا من التحفة الحربية الأخرى “Platoon”، حينما يقول كريس تايلور -تشارلي شين- بصوت الراوي متحدثًا عن زملاءه الجنود :”لكن معظمهم لا يملك شيئًا، إنهم فقراء.. غير مرغوبين، مع ذلك هم  يقاتلون لأجل مجتمعنا و حريتنا، غريب أليس كذلك؟ إنهم في قاع البرميل، و هم يعلمون ذلك، ربما لهذا هم يطلقون على أنفسهم وحوش، لأن الوحوش تستطيع التحمل، تحمل أي شيء، إنهم أفضل من رأيت في حياتي.”

هناك جزئية أخرى متكررة في أفلام تيرانس ماليك، ألا و هي صوت الراوي، فكما كانت (هولي) هي الراوية في طرق وعرة، و الطفلة الصغيرة (ليندا) في أيام النعيم، جاء (ويت) -جيم كافيزل- ليحتل مكانة الراوي في الفيلم، صوت الراوي في أفلام تيرانس ماليك لا يروي قصة الفيلم بطريقة اعتيادية كبقية الأفلام، صوت الراوي يمثل تيرانس نفسه، و نلاحظ دائمًا هذا الشيء في أفلامه، فنرى الراوي يطرح تساؤلات عميقة و عديدة، يشرح وجهات النظر و أفعال الشخصية نفسها، يناقش في جمال الطبيعة و الخلق، و في غالب الأحيان، تتم هذه التساؤلات أثناء عرض المناظر الطبيعية الخلابة المتواجدة دومًا في أفلام ماليك، و لعلي اقتبس اقتباسًا رائعًا من الراوي في هذا الفيلم، حيث يقول و كأن تيرانس ماليك يتحدث :” لماذا يجب علي أن أخشى الموت؟ أنا أنتمي إليك و عندما أسبقك سأنتظرك هناك، على الجانب الآخر للمياه المظلمة سيكون معي الآن”، أو حينما قال :” ما هذا الشر العظيم؟ كيف تسلسل إلى العالم؟ من أي بذرةٍ نمى؟ و من أي جذع امتد؟ من الذي يفعل كل هذا؟ من الذي يقتلنا؟ يخطفنا من الضوء و الحياة؟”

و كما هناك صوت الراوي في أفلامه، فـ دائمًا هناك الرأي المضاد، الفلسفة الأخرى، وجهة النظر  المختلفة، فتيرانس ماليك يصنع فيلمًا يطرح من خلاله وجهة نظره، لكن في نفس الوقت هو يطرح أسئلة قد يسألها المشاهد و يحاول أن يناقشها ولا يتجاهلها، فكما كان كيت”مارتن شين” هو وجهة النظر المختلفة، كانت معظم الشخصيات و أحداث الفيلم نفسها هي الرأي الآخر أمام تيرانس. و في فيلمه هذا كان شون بين هو وجهة النظر المختلفة، فكانت الاختلافات بينه و بين ويت دائمة و مستمرة، مع ذلك الانسجام بينهم استثنائي، و ربما أعظم ما قيل بينهما هو ذلك السؤال الموجه لإدوارد (شون بين) من ويت، حينما سأله: هل تشعر بالوحدة على الإطلاق؟ فأجابه إدوارد :فقط عندما يكون الناس حولي. عفوًا، هذا ليس اقتباس، هذه تحفة فنية أدبية موضوعة داخل تحفة فنية سينمائية، و هذه هي حالة شخصية شون بين في هذا الفيلم، النص المكتوب له عبقري للغاية و فيه الكثير من الحوارات الممتعة و التي من الصعب نسيانها، و في نفس الوقت من الصعب تعدادها لكثرتها.

لا يمكن أن نغفل أداء ممثلين مثل نيك نولتي و وودي هاريلسون، ظهورهما اقتصر على مشاهد قليلة لكن المشاهد كانت خير دليل على قيمة هذين الممثلين، أيضًا لا ننسى أداء جون كوساك و أدريان برودي و جون سي رالي و جاريد ليتو.

ترشح الفيلم لسبع جوائز أوسكار، أفضل فيلم-أفضل نص-أفضل مخرج-أفضل موسيقى-أفضل تصوير سينمائي-أفضل صوت-أفضل تعديل. في الحقيقة أنا لم أذكر الجوائز إلا للحث على مشاهدة الفيلم، لأني أرى الفيلم أكبر بكثير من جائزة الأوسكار و غيرها، هو تحفة فنية خالدة و باقية في السينما، ما حصل في الفيلم لا يتكرر كثيرًا في عالم الأفلام.

صورة لطاقم النجوم المشاركين في الفيلم، يذكر أن جورج كلوني و جون ترافولتا لهم مشهد واحد فقط. و براد بيت حاول جاهدًا الحصول على دور في هذا الفيلم لكنه فشل.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.