The White Ribbon هانيكي يعري المجتمع الألماني قبل النازية

1

تعمدت على أن يكون آخر أفلام المخرج الألماني مايكل هانيكي -قبل صدور فيلمه حب في السنة الحالية- أول مشاهداتي لأفلامه لاسيما وأني كنت انتظر الوقت المناسب للغوص في أعماق سينماه التي يُثنى عليها في كل مكان ومازلت أتحرى بشوق مشاهدة فيلم (الختم السابع) وهو الفيلم الذي أجلت مشاهدته لسنوات طويلة لإنتظار الوقت المناسب، ولعل مشاهدتي لفيلم واحد لهانيكي لن يعطيني فكرة كاملة عن أسلوبه أو الطريقة التي يتبعها في أفلامه ولا أعلم إن كانت أفلامه بنفس الأسلوب والصبغة أو تختلف ،ولكني متاكد من أن فيلم (ذا وايت ريبون) أحد أجمل الأفلام التي شاهدتها مؤخراً، لاسيما على الصعيد الإخراجي والتصويري، فلعل استخدام هانيكي للون الأسود والأبيض هو قرار جريء وأضاف للفيلم الكثير ويجب ذكر أن هانيكي بعد أن صور الفيلم كامل بالألوان قرر في مرحلة المونتاج تحويله إلى الأبيض والأسود في دوافع إيجابية من شانها أن تضفي للفيلم الطابع الكلاسيكي والأجواء الكئيبة، ولعلي أجزم بأن من يشاهد الفيلم سيظن بأنه كلاسيكي ولن يخيل له أبداً أن هذا الفيلم تم تصويره في أواخر العقد الأول من الألفية الجديدة.

بعد مشاهدتي للفيلم لم أستطع حقيقة أن أربط بين الفيلم وبين النازية والأسباب التي دفعت إلى ظهور النازية وإلى تبرير بعض أعمالها وجرائهما التي أوصلت العالم إلى الحرب العالمية الثانية، كنت أدرك بأن الفيلم يتحدث عن العقد النفسية التي تظهر في نفوس الأطفال وتؤثر عليهم بلاشك في المستقبل، هذه العقد التي تتولد من خلال ظروف الحياة ومن خلال معاملة الأهل القاسية في كفة أو الغير سوية في كفة آخرى من شأنها أن تخلق جيل كامل يملأه العنف والحقد ويصعب عليه رؤية العالم بقلب بريء، ولم يخيل لي بأنه من الممكن الربط بين هذه الأوصاف وبين الفترة التي سبقت النازية في ألمانيا وبأن هانيكي كان يريد أن يرمز للأسباب التي دفعت النازية للظهور بهذا الشكل، وبأن المجتمع الألماني قبل النازية لم يكن كما يظن الكثير مجتمع نزيه ومثالي كما يكون ظاهرياً إنما هو مجتمع ملئ بالعنف والشكوك والتوتر النفسي لدى أفراده، ولعل هذه الرمزية وإن لم تكن -بالنسبة لي- واضحة بعد مشاهدة الفيلم ولكن عند قراءتي لأول مراجعة ذكرت ذلك سرعان ما اقتنعت تماماً بذلك ولعل نهاية الفيلم التي جاءت إلى مخيلتي سريعاً أكبر تأكيد على ذلك، ولأني أعرف هانيكي وقرأت عنه كثيراً فإنا متاكد بأنه لم يشأ أن يكون مباشر في رمزيته أو في طرحه وهو المخرج الذي سبق وقرات له “بأن الحقيقة تعتمد على رأي الإنسان فيها، ولذلك فهناك أكثر من حقيقة”، كما يقول “بأن كل شخص في السينما يشاهد فيلم مختلف وبذلك فإن الآراء تختلف وهذا هو الهدف”.

لا أعلم إن كان مايكل هانيكي يستخدم الراوي في أفلامه دائماً إلا إن ذلك هنا زاد من كلاسيكية الفيلم وأضاف له جو مختلف عن ما عهدناه في السينما الأوربية الحديثة، كما أن تجنب هانيكي الكامل للمشاهد الجنسية التي كان من شأن أي مخرج آخر أن يستخدمها ويعطي مبرر ذلك بزيادة الواقعية ومعرفة التدمير النفسي الذي يطرى على الشخصيات -ابنة الدكتور مثلاً- وإن كنت أرى بأن المبرر كافي إلا إن تنازل هانيكي عن هذه المشاهد لم يؤثر أبداً على الفيلم وإنما قد يكون أضاف إليه صبغة كلاسيكية أكبر وأوضح.

الفيلم قد يكون قريب من الكمال فنياً حتى وإن كان رتمه بطيء ومدته طويلة نسبياً، التصوير كان مثالي مشاهد كثيرة صورة بشكل رائع لعل أبرزها مشهد العربة التي يتشارك فيه المعلم مع خطيبته جولة في أحد الحقول هذا المشهد كان قريب جداً من مشاهد الأفلام في سينما الموجة السينمائية الجديدة في فرنسا، والجدير بالذكر أن هانيكي لم يستخدم موسيقى تصويرية في فيلمه، وفيلمه يكاد يخلو من أي موسيقى ماعدا تلك المقطوعات التي كانت في مشاهد الكنيسة والتي ختم الفيلم بأحداها، وبين عزف شخصيات الفيلم على بعض الآلات الموسيقية، ومن الأمور التي نالت استحساني جداً في الفيلم أداء الممثلين الصغار الرائع والمذهل، ولعل ذلك يرجع إلى حرص مايكل على الاختيار فقد تم إجراء اختبار أداء لأكثر من 7000 طفل في فترة 6 أشهر، كما أن الفيلم مليء بالحوارات العظيمة والتي يأتي على رأسها الحوار بين ابنة الطبيب وأخيها الصغير عن ماهية الموت وأسبابه التي تشكل تساؤل لدى كثير من الأطفال.

الفيلم فائز بسعفة كان الذهبية لأول مرة كفيلم لمايكل هانيكي والذي فاز بأفضل مخرج في نفس المهرجان عام 2005 على فيلمه (اختباء) كما فاز بقولدن قلوب أفضل فيلم أجنبي وترشح لجائزة الأوسكار وخسرها لمصلحة الفيلم الأرجنتيني (السر في أعينهم) ونافس في نفس العالم الفيلم الفرنسي (الرسول).

تعليق 1
  1. محمد يقول

    حالياً أتابع سلسة وثائقية للحرب العالمية الثانية ،
    ولكن من سرد قصة هذا الفلم ، أعتقد أنه يجب علي مشاهدة هذا الفلم قبل أن أكمل الفلم الوثائقي .

    يعطيكم العافية ، موقع جميل أستمتعت جداً بـ تصفحه

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.