This is Not a Film هذا ليس فيلما !!

0

this-is-not-a-film-poster

“لماذا نحتاج إلى تصوير الأفلام إذا كنا نستطيع أن نرويها” .. مع هذه العبارة التي يطلقها المخرج الإيراني جعفر بناهي وهو يغادر حزينا صالة الجلوس في بيته أمام صديقه المخرج مجتبى ميرتاهماسب ربما ستشعر معه بنفس الغصة التي يعانيها أحد اشهر وافضل المخرجين الإيرانيين حاليا .. فهو يعيش الآن في بيته منتظرا حكم الاستئناف في قضيته التي حكم عليه فيها بالسجن لست سنوات والمنع من إخراج وكتابة وانتاج الأفلام لمدة عشرين سنة أو حتى إجراء اللقاءات مع أي وسيلة اعلامية وذلك بتهمة “القيام بأنشطة مسيئة للأمن القومي والترويج الدعائي المعادي للنظام” بعدما بدأ إخراج فيلم حول الاضطرابات التي أعقبت إعادة انتخاب الرئيس محمود أحمدي نجاد في يونيو 2009.

في هذا الفيلم الوثائقي بمسماه الجميل ذي الدلالة السوداوية و الذي كان قد تم تهريبه خارج إيران في شريحة ذاكرة يو اس بي داخل قالب من الكيك ليجوب بعض المهرجانات العالمية مثل كان وبرلين حاضيا بتقدير النقاد السينمائيين وتعاطفهم الكبير مع هذا المخرج الفذ والشغوف والذي يعيش الآن أسوأ أوقاته ليس في سجنه فحسب وإنما في حرمانه من إخراج الافلام كل هذه الفترة القاسية.

يصور بناهي فيلمه هذا وبطريقة تخليه من المسؤولية القضائية -كما يقول في الفيلم- أحداث أحد الايام الاعتيادية التي يعيشها بناهي في بيته مجبرا حيث يضع الكاميرا أمامه ليقوم بأعماله اليومية فهو يتناول افطاره ويستمع لرسائل الهاتف المخزنة ويعتني بحيوانهم الأليف في البيت ويراقب حركة الشارع من شرفة منزله ويصور بكاميرة جواله ويجري اتصالاته مع محاميته فريدة ليستطلعها الخبر حول الاستئناف الذي قدمه للمحكمة بشأن الحكم عليه بالإضافة لإتصاله الأهم مع صديقه المخرج مجتبى ليستدعيه من أجل القيام بأمر ما داخل بيته مؤكدا له على سرية الموضوع.

حينما يصل صديقه المخرج يخبره أنه يرغب بأن يقوم بتصويره وهو يروي حكاية الفيلم الذي كان ينوي إخراجه وقت اعتقاله حيث يعمد بناهي بتجسيد موقع الأحداث من خلال وضع لاصق على الأرض كرسم للغرفة والبيت التي ستكون محل أحداث قصته الجديدة والمحورّة كما يقول عن  قصة للروسي الشهير تشيخوف حول فتاة يرفض أهلها إلتحاقها بالجامعة ويقومون بحبسها داخل المنزل فيما يجعلها تفكر جديا في الانتحار لولا أنها تلاحظ من شباك الغرفة شابا وسيما يقف في الشارع فتنشأ لديها نوع من العلاقة والمشاعر العاطفية تجاهه … الطريقة التي كان بناهي يروي فيها الفيلم ورؤيته الإخراجية تشدك كثيرا للدرجة التي تتحسر فيها على فوات فرصة تقديم العمل واخراجه من بناهي لأنك تدرك كمية الجمال الفني المنتظرة عطفا على كل أعماله السابقة تقريبا والتي تجعلني شخصيا من معجبي هذا المخرج ليس ايرانيا فقط بل ومن بين مخرجي العالم السينمائي ..منذ أن عرفته عبر فيلمه الرائع والفريد جدا في سرده The Circle عام 2000 والفائز وقتها بعدد من جوائز المهرجانات العالمية ومنها الأسد الذهبي في فينيسيا وجائزة الفيبريسي وهو حول خمس قصص متلاحقة لمجموعة من النساء يظهر من خلالها مستوى الوضع الاضطهادي اجتماعيا وقانونيا والذي تعيشه المرأة في ايران .. قبل أن اعود لأوائل أفلامه عام 1995 The White Balloon والفائز حينها بالكاميرا الذهبية في مهرجان كان السينمائي حول طفلة تفقد مالها وهي في طريقها لشراء سمكة جديدة .. ثم عام 2005 قدم فيلمه Crimson Gold والذي لاقى احتفاء كبيرا في مهرجان كان حول عامل توصيل بيتزا يكشف من خلاله المخرج مستوى الجريمة والفساد في المجتمع الايراني ومعاناة الطبقة الكادحة وسلطة المؤسسات الدينية ثم آخر أفلامه عام 2006 قبل اعتقاله Offside الفائز بالدب الفضي في برلين حول فتاة تتنكر بزي شاب لتتمكن من حضور مباراة المنتخب الايراني في كرة القدم والمفارقة التي يمكن ملاحظتها في فيلم بناهي الوثائقي هذا ومع طريقته الاستثنائية في تقديم الفيلم وسط كل هذه المعوقات إلا أننا سنلحظ أن حسه النقدي لمؤسسات الدولة وتحكم السلطة الدينية وتهاوي المجتمع الايراني تحت ظروف معيشية صعبة كان ظاهرا سواء من خلال الاحداث الواقعية الحقيقية التي نشهدها في الفيلم من خلال تواصل بناهي مع غيره او حتى في الانطباع العام الذي يصنعه الفيلم لدى المشاهد وهو يرى حكاية جائرة لفنان حقيقي يتم اسكاته واضطهاده  ليعاني غصة الظلم والابتعاد عن شغفه السينمائي.

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.