Zero Dark Thirty فيلم اغتيال أسامة بن لادن

0

bildeمنذ أن أعلن عن العرض الدعائي الأول لفيلم Zero Dark Thirty والاهتمام بالفيلم يتصاعد تدريجياً إلى ان عرض في نهاية السنة الماضية وحقق معه نجاح نقدي هائل , لعل أسباب الانتظار لدى الجمهور والنقاد كثيرة أولها وأهمها هو اسم المخرجة “كاثرين بيقلو” والتوقع بمستوى عمل أوسكاري كعملها السابق The Hurt Locker  بعد أن قدمت إمكانيات مميزة في عملها السابق فكان من المنتظر لدى الجمهور بأن عملها هذا منتظر منه نضج أكبر وقيمة فنياً أفضل . سبب آخر وربما يكون السبب الشخصي الذي زاد من حماسي للفيلم أكثر من أي وقت مضى هو عند مشاهدتي للقطات الإعلان ومشاهد الممثلة “جيسيكا تشاستين” تيقنت بعدها بأنها ستقدم عمل تاريخي من الناحية التمثيلية . سبب آخر ربما يكون هو محور الفيلم الذي يعتبر بدون شك مثير للاهتمام لأي متابع كونه يتحدث عن مطاردة لأحد أكثر الأسماء شهرة في العقد الماضي ان صح التعبير ” أسامة بن لادن” .

تحكي قصة الفيلم كما ذكرت مسبقاً عن عملية مطاردة الحكومة الأمريكية لإسامة بن لادن وعرضها الجذور الأساسية لتلك المطاردة بداية من أحداث 11 سبتمبر وبدء الحكومة الأمريكية في مطاردة أسامة بن لادن إلى 2011 وقتله . مايميز عرض القصة هو التركيز على الشخصية الرئيسية في هذه المطاردة ورسمها بأسلوب نفسي عميق وذكي في التعامل هو مايجعل لهذا الفيلم أبعاد كثير وأكثر من كونه مجرد فيلم عن مطاردة أو مجرد فيلم أكشن حربي بل كان الفيلم يعرض تلك القضية بقالب درامي نفسي وتعامل ذكي في هذه الناحية بطرحها بذلك القالب الذي يحتم عليه في نفس الوقت صنع عمل مثير وحابس للأنفاس .

منذ المشهد الافتتاحي والمشاهد يبدأ في الدخول بشكل قوي جداً إلى أجواء الفيلم السوداوية والمليئة بالتعذيب الجسدي العنيف وأيضاً النفسي , يبدأ الفيلم بمشهد لا يظهر فيه إلا شاشة سوداء وأصوات لبلاغات اصابات وحادثة 11 سبتمبر , يستمر المشهد هكذا لمدة دقيقة تقريباً و بهذا الأسلوب استطاعت كاثرين بيقلو من التحكم باهتمام المشاهد في الفيلم وسحبه تماماً إلى داخل أجواء الفيلم بأسلوب ذكي ومميز يفسر بأسلوب رمزي رد فعل القوات الأمريكية تجاه كل من له علاقة إرهابية في عمل كل مايمكن عمله من الناحية التعذيبة لأن مايتبع مشهد الشاشة السوداء وأصوات البلاغات كان مشهد لتعذيب لأحد المحتجزين في أحد المعتقلات الأمريكية في باكستان . افتتاحية عبقرية مثل هذه لا يمكن أن تنبئ إلا عن فيلم متقن وعمل مميز , التحكم بالمشاعر وحتى مع بداية الفيلم وجذب المشاهد نحو أحداث الفيلم من المشاهد الأولى الافتتاحية للفيلم هو عمل ذكي ان كان قد اتمه مخرج بهذا الشكل الذي أتمته به كاثرين بيقلو في عملها هذا .

مايميز عرض أحداث الفيلم وتسلسلها هو اتخاذ القفزات الزمنية والتحكم بأحداث وأدق تفاصيلها في رسم كامل الصورة للمشاهد لحد أن يصل المشاهد إلى ذروة هذا المشهد الحاضر أو الحدث النهائي في الفيلم , أحداث الفيلم تسرد منذ 11 سبتمبر في افتتاحية الفيلم ومن ثم يبدأ التحكم في النص بأخذ مسار زمني يتنقل فيه من حدث إلى حدث آخر وقعت في هذه العشر سنوات الأمريكية لإبن لادن من المطاردة , في بداية هذه العشر سنوات تظهر لنا شخصية المحققة “مايا” (الممثلة جيسيكا تشاستين) والتي هي تقاد بها أحداث الفيلم أو أحداث المطاردة لإبن لادن ففي البداية تقدم شخصية المحققة ببرود ومجرد ما أن تبدأ شخصية المحققة بالتطور وتظهر عمق هذه الشخصية من الناحية النفسية تبدأ قضية المطاردة والاقتراب من الوصول إلى ابن لادن أكثر وأكثر بالنسبة للمنظمة الأمريكية , رسم شخصية المحققة بهذه الطريقة يظهر مدى تأثير مثل هذه المحيطات على الإنسان فبداية الشخصية كانت صعبة مع العنف المستخدم ضد المساجين وميلها لملاينة المساجين أكثر من تعذيبهم إلى ان تتغير وهذا كان نتاج قضية مثل مطاردة ابن لادن ووجودها في مجتمع أو محيط أثر على شخصيتها كإنسانة , حواراتها في الفيلم كانت مكتوبة بعبقرية وتصف شخصيتها وتطورات شخصية هذه المحققة بشكل ذكي ومميز جداً  . وعن طريق هذا النص المميز وقدرات المخرجة كاثرين بيقلو استطاعت أن تخرج لنا بعمل متكامل خلقت فيه جو كامل مليء بالحذر والخوف و الكآبة والخبث والعبقرية التكيتيكية السياسية والحربية . ولعل شيء آخر يجب ذكره من محاسن هذا العمل هو أنه يعرض قصة تفاصيلها خيالية لأن الكتابة لهذا العمل بدأت قبل قتل أسامة بن لادن لكن الشيء الساحر في هذا العمل أنه وعلى الرغم من معرفة الجمهور بنهاية هذا العمل إلا ان الفيلم يقدم بمستوى عالي جداً من الإثارة وحبس الأنفاس في معرفة مايحدث وتصوير مشاهد الأحداث الإرهابية كانت أو أحداث المنظمة الأمريكية في المطاردة , كل هذا كان على أعلى مستوى وقدم بطريقة مذهلة ولن تنسى لفترة طويلة وعلى الأقل ستكون من اللحظات المخلدة لمشاهدات المشاهد لأعمال الألفية.

DARK-THIRTY-3جيسيكا تشاستين في هذا الفيلم من الممكن أن تكون قدمت أحد أعظم الأدوار النسائية الهوليوودية في هذا العام أو حتى في الألفية , ما قامت به جيسيكا تشاستين هنا هو إظهار لموهبة فذة ومذهلة وذهبية خالصة لن يمنعها هذا العام من الحصول على أوسكارها الأول أي شيء كان . التعامل مع شخصية بهذه الصعوبة لم يكن بالأمر السهل ومن ثم التحكم بهذه الشخصية في تطوراتها والتعامل معها كان مذهلاً من جيسيكا . على الرغم من أني لا أجيد تحديد أو قطع التوقعات بالجوائز السنوية الفنية لكن مافعلته هنا جيسيكا يبدو سهل بالنسبة لي في توقع لمن ستذهب له جائزة أوسكار أفضل ممثلة للعام الماضي .

في النهاية أود التنويه بأن الفيلم لاقى الكثير من النقد بخصوص أنه عرض كثير من المعلومات السرية أو استطاع الوصول إليها وعرضها بهذا الشكل وأيضاً تلقى النقد على عرضه أساليب التعذيب المتخذة ضد المعتقلين من أجل استخراج المعلومات منهم مما جعل بعض النقاد يرفضون مثل هذا الأسلوب الا ان المخرجة كاثرين بيقلو هنا من الممكن أن تكون قد اتخذت رأي سياسياً وأظهرته عن طريق تلك المشاهد العنيفة في تأثيرها على سير ماحدث للمطاردة الأمريكية لإبن لادن .  نهايةً Zero Dark Thirty لا أعتقد انه باستطاعتي الحكم بأنه أفضل أفلام العام بالشكل المطلق ولكن لو كان لي مفضل هذا العام للفوز بالأوسكار لأفضل فيلم لكان هذا الفيلم أو تحفة هانيكه الرائعة . الشيء الوحيد الذي لابد أن يكون المشاهد متأكد منه هو أن هذا العمل تجربة ممتعة ومثيرة جداً تنقله وبسلاسه بين أقطاب العالم من آسيا إلى اوروبا ومن ثم إلى أمريكا من أجل مطاردة ابن لادن , Zero Dark Thirty بالتأكيد سيكون اسم مميز كأحد أبرز انتاجات الألفية الجديدة ومن أفضل أعمال هذه السنة نتيجة للمستوى المذهل من الإثارة والإتقان الذي وصل له العمل في تقديم وجبة حربية سياسية مثيرة للمشاهد وتركت خلفها الكثير من النقاش حول المجتمعات والآراء السياسية .

اترك رد

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.